الصفحة 27 من 35

لذلك جعل المرة منه كالمرتين في السرقة، فقطع في الأخذ مرة اليد والرجل معا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي والليث وإسحاق وقتادة وأصحاب أحمد [1] .

وقال قوم [2] : بل الإمام مخير فيهم على الإطلاق، وسواء قتل أو لم يقتل، أخذ المال أو لم يأخذه، وسبب الخلاف كما يقول ابن رشد [3] : هل حرف"أو"في الآية للتخيير أو للتفصيل على حسب جنايتهم؟ ومالك حمل البعض من المحاربين على التفصيل والبعض على التخيير.

وعلى قول الجمهور يختلف الجزاء الشرعي باختلاف خمسة أحوال:

والأولى: أن يتم القبض عليهم قبل أن يأخذوا مالا ويقتلوا نفسا، بل لم يوجد منهم سوى مجرد إخافة الطريق إلى أن يتم القبض عليهم.

فحكمهم: أن يعززوا ويحبسوا إلى أن تظهر توبتهم في الحبس أو يموتوا، وهذا مذهب الحنفية [4] ، والشافعية [5] .

قال ابن سريج [6] : والحبس في هذه الحال في غير موضعهم أولى، لأنه أحوط وأبلغ في الزجر والإيحاش، وأما الإمام مالك فيرى [7] : أن الإمام مخير في قتله أو صلبه، أو قطعه، أو نفيه ومعنى التخير عنده أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير، فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه، لأن القطع لا يرفع ضرره، وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلاف، وإن كان ليس فيه شئ من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك فيه وهو الضرب والنفي.

وأما الحنابلة: فيقول ابن قدامة: إن المحاربين إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، فإنهم ينفون من الأرض، لقول الله تعالى:"أو ينفوا من الأرض" [8] .

ويروى عن ابن عباس أن النفي يكون في هذه الحالة، وهو قول النخعي وقتادة وعطاء الخراساني.

والنفي هو: تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون يأوون بلدا.

ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري، وعن ابن عباس أنه ينفى من بلده إلى بلد غيره، كنفي الزاني، وبه قال طائفة من أهل العلم، قال أبو الزناد: كان منفى الناس إلى باضع من أرض الحبشة، وذلك أقصى تهامة اليمن [9] .

الثانية: أن يتم القبض عليهم بعد استيلائهم على المال بما إذا قسم على جماعتهم بلغ نصيب كل واحد نصاب السرقة.

(1) فتح القدير: 5/ 433، روضة الطالبين: 10/ 156، المغني والشرح الكبير: 10/ 299.

(2) ومنهم عطاء وسعيد بن المسيب ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبو ثور وداود ــ فتح القدير: 5/ 433، بداية المجتهد: 2/ 456.

(3) بداية المجتهد: 5/ 433.

(4) فتح القدير: 5/ 433.

(5) روضة الطالبين: 10/ 156، المهذب: 2/ 284.

(6) روضة الطالبين: 10/ 156.

(7) بداية المجتهد: 2/ 455.

(8) سورة المائدة: الآية33.

(9) المغني والشرح الكبير: 10/ 307.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت