فهرس الكتاب
وقال أبو يوسف [1] : لابد من الصلب للنص في الحد، ولا يجوز ترك الحد كالقتل، وهو المذهب عند الشافعية [2] ، والحنابلة [3] .
قال ابن المنذر [4] :أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وروي عن عمر وبه قال سليمان بن أبي موسى والزهري.
وحجة أبي حنيفة: أن هذه الجناية وإن كانت واحدة باعتبار أنه قطع الطريق، فهذا المجموع، من القطع والقتل عقوبة واحدة وإنما تغلظت لتغلظ سببها حيث بلغ النهاية في تفويت الأمن وحيث فوت الأمن على المال والنفس بالقتل وأخذ المال، وكونها أمورا متعددة لا يستلزم تعدد الحدود في قطع الطريق، ألا ترى أن قطع اليد والرجل فيها حد واحد وهو في الصغرى ــ أي السرقة الصغرى ــ حدان ولأن مقتضى التوزيع الذي لزم اعتباره أن يتعين القطع ثم القتل، لأن التوزيع أدى إلى أن من أخذ المال قطع، وهذا قد أخذه فيقطع، وأن من قتل يقتل أو يصلب، وهذا قتل فيجب أن يجمع له بين القطع والقتل، إلا من ذلك كان فيما إذا فعل ذلك على الانفراد ذلك للإمام ودليل قول محمد بن الحسن أنه لا يقطع: أنه جناية واحدة هي جناية قطع الطريق، فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس في باب الحد يدخل في النفس.
وأجاب الكمال بن الهمام على قول محمد بأن ما دون النفس يدخل في النفس هو ما إذا كانا حدين أحدهما غير النفس والآخر النفس.
أما إذا كان ذلك حدا واحدا فلابد من إقامته، فهي أجزاء حد واحد، غير أنه إن بدأ بالجزاء الذي لا تتلف به النفس فعل الآخر، وإن بدأ بما تتلف به لا يفعل الآخر لانتفاء الفائدة وهو الضرب بعد الموت.
كما أجاب ابن الهمام على من حتم الصلب بأن ظاهر النص لا يحتم الصلب فإن قوله:"أن يقتلوا أو يصلبوا"إنما يفيد أن يقتلوا بلا صلب أو يصلبوا بلا قتل، لكن يقتل بعد الصلب مصلوبا بالإجماع.
ولم ينقل أنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ صلب العرنين، ولا غيره صلب أحدا [5] .
الخامسة: أن يتم القبض عليهم بعد إعلان توبتهم:
(1) فتح القدير: 5/ 425.
(2) روضة الطالبين: 10/ 156، وخرج ابن سلمة قولا: أنه تقطع يده ورجله ويقتل ويصلب، وحكى صاحب"التقريب"قولا: أنه إن قتل وأخذ دون نصاب لم يقطع بل يقتل ويصلب، وفي كيفية القتل والصلب إذا اجتمعا قولان: أحدهما: يقتل ثم يصلب، والثاني: يصلب حيا ثم يقتل، روضة الطالبين: 10/ 157، وانظر أيضا المهذب: 2/ 284.
(3) المغني والشرح الكبير: 10/ 302.
(4) المغني والشرح الكبير: 10/ 302.
(5) فتح القدير: 5/ 425، وحديث العرنيين أخرجه الطحاوي بروايات كثير منها: عن أنس قال: قدم المدينة ثمانية رهط من عكل (قبيلة) فاستوخموا المدينة، فبعثهم النبي رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ إلى ذود له (هي من الإبل ما بين الثلاثة إلى العشرة) فشربوا من ألبانها.
فلما صحوا ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي الإبل، وساقوا الإبل، فبعث رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في آثارهم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا، وفيهم نزلت آية المحاربة، يقول الطحاوي: ففعل رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ بالعرنيين ما فعل بهم من هذا، فلما حل له له من سفك دمائهم فكان له أن يقتلهم كيف أحب وإن كان ذلك تمثيلا بهم، لأن المثلة كانت حينئذ مباحة ثم نسخت بعد ذلك ونهى عنها رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ فلم يكن لأحد أن يفعلها ــ شرح معاني الآثار: 3/ 180، 1/ 181.