الصفحة 30 من 35

1 -في هذه الحال يسقط حد الحرابة عند جمهور الفقهاء لقوله تعالى:"إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم" [1] .

فأوجب عليهم الحد، ثم استثنى التائبين قبل القدرة، فمن عداهم يبقى على قضية العموم، ولأنه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص، وبعدها الظاهر أنها تقية ولأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيبا في توبته، الرجوع عن محاربته وإفساده فناسب ذلك الإسقاط عنه، وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه، لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة.

وقيل: لن تقبل توبتهم، قال ابن رشد [2] : قال ذلك من قال إن الآية لم تنزل في المحاربين، وإنما نزلت في المرتدين، لأن محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار لا من المسلمين.

وأجاب ابن قدامة على هذا القول [3] بقوله تعالى:"إلا الذين تابوا وأصلحوا من قبل أن تقدروا عليهم"، والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها، ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال، والمحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله" [4] .

2 -وأما صفة التوبة التي تسقط الحكم: فقد اختلفوا فيها قال ابن رشد:

فيها ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن توبته تكون بوجهين:

أحدهما: أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام.

والثاني: أن يلقي سلاحه ويأتي طائعا، وهو مذهب ابن القاسم.

والقول الثاني: أن توبته إنما تكون بأن يترك ما هو عليه ويجلس في موضعه ويظهر لجيرانه، وإن أتى الإمام قبل أن تظهر توبته أقام عليه الحد، وهذا هو قول ابن الماجشون.

والقول الثالث: إن توبته إنما تكون بالمجئ إلى الإمام، وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكما من الأحكام إن أخذ قبل أن يأتي الإمام.

وتحصيل ذلك: هو أن توبته قيل: بأنه تكون بأن يأتي الإمام قبل أن يقدر عليه، وقيل: إنها إنما تكون إذا ظهرت توبته قبل القدرة فقط، وقيل: تكون بالأمرين جميعا [5] .

(1) سورة المائدة من الآية: 34 وانظر فتح القدير: 5/ 428، بداية المجتهد: 2/ 457، روضة الطالبين: 10/ 159، المغني والشرح الكبير: 10/ 308، 309.

(2) بداية المجتهد: 2/ 457، والذين قالوا أن الآية لم تنزل في المحاربين، قالوا أنها نزلت في قصة العرنيين المرتدين وهم ابن عمر والحسن وعطاء وعبد الكريم انظر: المغني والشرح الكبير: 10/ 297، وعدم قبول توبة المحارب قول ضعيف عند الشافعية، روضة الطالبين: 10/ 158.

(3) المغني والشرح الكبير: 10/ 297.

(4) سورة البقرة: الآيتان 278، 279.

(5) بداية المجتهد: 2/ 457.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت