فهرس الكتاب
وهذا أمر صريح من الرسول - صلى الله عليه وسلم - {بحفظ ودّ الأب؛ ولذا حذر من قطعه بالعقوبة فقال} - صلى الله عليه وسلم - {: (( احفظ ودّ أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك ) ) [1] ، والأمر بصلة صديق الأب كان في شرع مَنْ قبلنا، فلقد أخرج البخاري أن عمرو بن عثمان كان جالسًا في مسجد المدينة فمر به عبدالله بن سلام متكئًا على ابن أخيه، فنفذ من المجلس، ثمَّ عطف عليه فرجع عليهم، وقال: ما شئت عمرو بن عثمان - مرتين أو ثلاثًا - فوالذي بعث محمدًا} - صلى الله عليه وسلم - بالحق، إنه لفي كتاب الله عز وجل - التوراة - مرتين: (لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك) [2] .
ولقد تمثل المجتمع الإسلامي الأول ذلك البر وتعامل معه واقعًا عمليًا وتطبيقيًا فيروي لنا الإمام مسلم في صحيحه أن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا خرج إلى مكة له حمار يتروح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة، وعمامة يشدّ بها رأسه، فبينما هو يومًا على ذلك الحمار، إذ مر به أعرابي فقال: ألست ابن فلان ابن فلان؟ قال: بلى. فأعطاه الحمار، وقال: اركب هذا، والعمامة قال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تتروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك، فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن من أبر البر صلة الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي وإن أباه كان صديقًا لعمر - رضي الله عنه - ) ) [3] .
(1) الأدب المفرد، مرجع سابق، ص 31.
(2) الأدب المفرد، مرجع سابق، ص 32.
(3) صحيح مسلم، مرجع سابق، جزء 8، ص 6.