الصفحة 20 من 22

والمستوى الثاني للعلاج الجيني هو أن يتم العلاج في جينات داخل خلايا مشيجية، ومن هنا يمكن أن ينتقل العلاج إلى الأبناء، فهذا العلاج غير جائز شرعًا لما فيه من غموض وعدم معرفة بالنتائج التي تترتب عليه، ولما يمكن أن يترتب عليه من عواقب وخيمة سواء كانت من النواحي الأخلاقية، وإلى آلية يمكن أن تعرف بها آثارها الإيجابية أو العلمية، ولكن إذا توصل العلم إلى منع الأضرار والآثار السلبية على الإنسان والأجيال اللاحقة فإنه لا يمنع منه شرعًا، فالمنع يدور مع الضرر المحقق، والجواز يدور حول المصلحة ودرء المفسدة. ومع ذلك فلا أرى مانعًا من إجراء التجارب على الحيوانات إذا كان هناك أمل في الوصول إلى تحقيق نتائج إيجابية، لأن الكون كله مخلوق لخدمة الإنسان ومسخر له ولكن بالضوابط الدينية والأخلاقية وبما لا يترتب عليه ضرر أكبر بالإنسان والبيئة. هذا والله أعلم.

مدى اشتراط الإذن في العلاج الجيني:

تهتم الشريعة الإسلامية بإرادة الإنسان ورضاه في كل ما يخصه إلاّ ما استثنى من ذلك بدليل خاص، ولذلك يعتبر الطبيب ملزمًا بأخذ الإذن من المريض لأجل العلاج، أو الجراحة، أو الاختبار إذا كان عاقلًا، وبإذن وليّ أمره إذا كان قاصرًا، أو مغمى عليه، سواء كان الإذن مطلقًا أو مقيدًا وأن يكون الإذن معبرًا عنه بإحدى وسائل التعبير من النطق، أو الكتابة، أو الإشارة الواضحة، وإلاّ فيكون الطبيب آثمًا، لأنه تصرف فيما يخص غيره دون رضاه، إذ ليس له الحق في التصرف ببدنه إلاّ بإذنه، فيكون ضامنًا لو نتج عنه أي ضرر مهما بذل من جهد، ومهما كانت نيته طيبة، ومهما كان حاذقًا متخصصًا، وهذا ما عليه فقهاء المذاهب الأربعة [1] ، وخالفهم في ذلك ابن حزم الظاهري إذا كان الطبيب عارفًا بالطب حاذقًا [2] .

والذي يظهر لنا رجحانه هو رأي جماهير الفقهاء، لأنه يتفق مع كرامة الإنسان وحقوقه، ويتلاءم مع مقاصد الشريعة، ويدل على ذلك أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاقب كل من فعل اللَدود [3] به، لأنه لم يأذن به، بل نهاه عنه حيث روى البخاري ومسلم بسندهما عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: (لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما

(1) الفتاوى الهندية (4/ 499) ، وجواهر الاكليل (2/ 296) ، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (4/ 355) ، وروضة الطالبين (9/ 180) ، والإنصاف (6/ 75) ، ومنار السبيل (1/ 422) ، ويراجع: د. قيس بن محمد آل الشيخ:"التداوي والمسؤولية الطبية"ط. مكتبة الفارابي بدمشق عام 1991 (ص202)

(2) المحلى (10/ 444)

(3) اللَدود بفتح اللام الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض وبضم اللام الفعل نفسه. انظر: فتح الباري (10/ 166)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت