تمهيد:
أراد الله تعالى للإنسان أن يكون خليفة في الأرض من دون الملائكة وغيرهم أجمعين ليعمر هذا الكون، فقال تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) [1] ولما استفسر الملائكة عن أسباب هذا الاختيار مستغربين من اختيار هذا الصنف الذي يقع منهم الكفر والعصيان، والقتل وسفك الدم، والفساد ... أجاب الله تعالى بقوله: (إني أعلم ما لا تعلمون) [2] ثم علم آدم الأسماء كلها، فتبيّن من ذلك أن أحد أسباب هذا الاختيار يعود إلى أن الله تعالى أعطى لهذا المخلوق عقلًا قادرًا على التعلم والاكتشاف والاستنباط، وبهذا ميّزه عن سائر المخلوقات، ومن ذلك اليوم الذي نزل فيه آدم على الأرض ظل يبحث عن معرفة نفسه ومحيطه، وتطوير عقله ومعارفه وعلومه، وأصبح يميط كل يوم لثامًا ويكتشف في كل ساعة أسرارًا، فاستطاع أن يفك أسرار الحروف ويفهم الكتاب المقروء، كما بذل كل جهده لفك أسرار الكون الذي هو في حقيقته كتاب كامل عظيم معقد يحتوي من الأسرار مالا يعدُّ ولا يحصى، بل حينما التفت نحو نفسه التي هي أقرب الأشياء إليه وجدها أيضًا تحتوي من الأسرار والغرائب التي يعجز اللسان عن التعبير عنها.
وظل الإنسان كادحًا مجاهدًا باحثًا عن الحقائق الكونية والشرعية، كاشفًا في كل يوم عن بعض الحقائق، ساعد في ذلك الوحي الإلهي ولا سيما في صورته الأخيرة المتمثلة بالإسلام، حيث وضعه على الطريق الصحيح ليس على نطاق أمور الدين، بل حتى في نطاق اكتشاف أسرار النفس والكون، لذلك سار المسلمون على المنهج التجريبي الذي قفز بالحضارة والعلوم قفزة هائلة، ثم
(1) سورة البقرة / الآية (30)
(2) سورة البقرة / الآية (30)