الصفحة 10 من 17

واهية، ولكن لا يعقلها إلا العالمون لأنها تذكرة وتعيها أذن واعية والله الهادي للحق )) [1]

وقال الكحَّال رحمه الله: (( واعلم أنَّ بعض الكلام له خواصٌّ ومنافعٌ بإذن الله تعالى، شهدت العلماء بصحته في كتبهم، فما ظنك بكلام الله عز وجل الذي كلُّ الخيرات منه أصلها وينبوعها وإليه عَوْدها ومرجعها.

وقد جعل الله سبحانه وتعالى في كل سورةٍ وآيةٍ منه منافع وخواص لم يكن في غيرها، وذلك معروفٌ عند العلماء، مشهورٌ بين الفضلاء، لا ينكره إلا الجاهلون )) [2] وشواهد هذا مشهور في الأحاديث والسيرة النبوية.

المطلب الثاني

ضوابط المعالج بالقرآن.

إنّ من أشرف الصناعات وأطيبها، صنعة الطبيب، سواء أكان طب أبدان أم طب أرواح، فيحسن بالمعالج وهو يقوم بعمله أن يتقنه تمام الإتقان وأن يتخلق بأخلاقيات صَنْعَته، حتى تعود عليه بالنفع والفائدة التي من أجلها نال صنعته، وحينها يُقصد من آفاق الأرض لجودة صناعته وحسن أدائه.

وهكذا الراقي في رقيته، ينبغي أن يكون متقنًا في رقيته لا يُشِيبُها بترهات غير سوية تَصرِفهُ عن حُسْنِ أدائها وإتقانها، وسأجمل له ضوابطًا أشيرُ فيها إلى أهميَّة وجودها في الراقي التقي المُحَنَّك حتى يكون متقنًا ومحسنًا في رقيته.

أولًًاً: الإخلاص لله عز وجل في كل عمل:

والأصل في ذلك من الكتاب والسنة قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] .

وعَنْ عُمَرَ بن الخَطّابِ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: (( إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِالنِّيَّةِ ) ) [3]

فالإخلاص خُلُقٌ عظيم، وكنز رفيع، ولا يُوَفَّق له كل أحد بعد حُسْنِ المعْتَقَد بل هو من أشدّ الأخلاق على العارفين معالجة له، ولَكَمْ اجتهد السلف رضوان الله عليهم في الإخلاص في نِيَّاتِهم، وما هذا إلاّ لأن صلاح الأعمال موقوفٌ على الإخلاص.

ولتعلم أخي الراقي الموَفَّق أنه بقدر ما يكون عندك من الإخلاص بقدر ما يكون لديك عفَّة عمَّا في أيدي الناس من متاع، فلا تكن دنيء الهمة، ساقط العزيمة، قليل الطموح، مُتَطلِّعًا إليهم بهوس وشَرَهٍ قتّال؛ فتذلّ!

إذا لم يكن لله فعلُك خالصًا ... فكل بناء قد بنيتَ خرابُ

واعلم أنَّ الراقي (( كلما كان أذلَّ لله وأعظمَ افتقارًا إليه وخضوعًا له، كان أقربَ إليه، وأعزَّ له، وأعظمَ لقدره، فأسعدُ الخلق أعظمُهم عبودية، وأما المخلوق، فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيرَه. واستغن عمن شئت تكن نظيرَه. وأحسن إلى من شئت تكن أميرَه؛ فأعظم ما يكون العبد قدْرًا وحرمة عند الخلق، إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإذا أحسنت إليهم مع

(1) آكام المرجان (102)

(2) الأحكام النبوية (86 - 87)

(3) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية، حديث (54) ومسلم: كتاب الإمارة، باب قوله أن الأعمال بالنية، حديث (1907)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت