الصفحة 9 من 17

والكافرون والمعوذات [1] . وبعدها يُستأنس في انتقائه مما كان بعض العلماء الربانيين يقرؤون بها على من به عِلّة، أو يكتبونها لهم ويستشفون بها، فالقرآن فيه الشفاء، ولكن بعض الآيات يكون انتقاؤها لنية يريدها الراقي تناسب معنى، أو تفيد علة، وفيها لمحةٌ دالة بَصَرَها العلماءُ، ممن دقَّ فهمه، وثقُب فِكْرُه، وحَسُنَ تأمُّله في كتاب ربه، وفتح الله عليه بخلاف من شطح وزعم أنها من الأسرار الربانية، وهي بذاتها تخالف كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وما فِعْلُ الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه (خواص القرآن) إلا من هذا القبيل، ويقصد بها ما لآي القرآن من خواص مادية في الشفاء من الأمراض، وإبطال السحر، والنجاة من العدو، وكل هذا ما توصل إليه العلماء من تجاربهم الشخصية، لأنهم يعتقدون البركة في القرآن، وهذا لا ينفع إلا من اعتقد اعتقادهم، وإن كان فعل هؤلاء العلماء له أصل في السنة، وهذا ما ذكره الكاتبون في هذا المعنى من أمثال الزركشي في (برهانه) والسيوطي في (إتقانه) . [2]

ثم إن هذا الفَهْم في كتاب ربنا سبحانه _ فيما يظهر للباحث _ يدلُّ عليه قول علي - رضي الله عنه - حين سأله أبو جُحَيْفة حين قال: قلتُ لعليٍّ: هل عندكم كتابٌ؟ قال: لا، إلاَّ كتابُ الله، أو فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رجلٌ مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلتُ: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفَكاك الأسير، ولا يقتل مسلمٌ بكافر )) [3]

ويقول المباركفوي رحمه الله: (( لأنه كان يَرى منه عِلْمًا وتحقيقًا لا يجده في زمانه عند غيره، فحلف أنَّه ليس شيءٌ من ذلك سوى القرآن، وأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يخصَّ بالتبليغ والإرشاد قومًا دون قوم، وإنما وقع التفاوتُ من قِبَل الفَهْم، واستعداد الاستنباط، فمن رُزِقَ فَهْمًا وإدراكًا ووفِّقَ للتأمُّل في آياته والتدبُّر في معانيه فتح عليه أبواب العلوم ) ) [4]

ويقول العلامة المفَسِّر الشنقيطي رحمه الله: (( يُفهم منه أنَّ من أعطاه الله فهمًا في كتاب الله، يُخص بخصائص من العلوم لم يُخص بها غيره، وما ذلك إلا أن القرآن جمع كل شيء، منه ما يطّلع عليه كل الناس، ومنه ما يطّلع عليه الراسخون في العلم، ومنه ما يعلمه النبي، ومنه ما لا يعلمه إلا الله جلا وعلا ) ) [5] ولعلَّ فعل الصحابي الذي رقى الَّلديغ حين اجتهد واستنبط، أدَّاهُ استنباطه إلى أن ينتقي الفاتحة ولم يزد عليها. ولذا قال الحافظ رحمه الله مُعلِّقًا: (( فيه الاجتهاد عند فقد النص ) ) [6] وقال الكحَّال رحمه الله: قوله - صلى الله عليه وسلم: (ومَا يُدْرِيْكَ أَنَّها رُقْيَةٌ) (( دليلٌ أن القرآن وإن كان كله مرجوّ البركة، فيه ما يختص بالرقية دون جميعه ) ) [7]

ويقول الشِّبْلِي رحمه الله: (( وفي التطبّب والاستشفاء بكتاب الله عز وجل غنى تام، ومقنع عام، وهو النور والشفاء لما في الصدور، والوقاء الدافع لكل محذور، والرحمة للمؤمنين من الأحياء وأهل القبور، وفقنا الله لإدراك معانيه، وأوقفنا عند أوامره ونواهيه، ومن تدَّبر من آيات الكتاب من ذوي الألباب وقف على الدواء الشافي لكل داء مواف، سوى الموت الذي هو غاية كل حي، فإن الله تعالى يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وخواص الآيات والأذكار لا ينكرها إلا من عقيدته

(1) انظر: المنار المنيف (114) لابن قيم الجوزية رحمه الله.

(2) انظر: الرقية الشرعية من الكتاب والسنة النبوية (187) لراقمه

(3) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب كتابة العلم رقم (111) وانظر: الفتح (1/ 204) للفائدة.

(4) تحفة الأحوذي (4/ 556) .

(5) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (1/ 193)

(6) الفتح (4/ 457)

(7) الأحكام النبوية لعلاء الدين الكحّال (86)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت