الاستغناء عنهم، كنت أعظمَ ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم )) [1]
ثانيًا: الحرص على العلم الشرعي والعمل به:
يحسن بالراقي أن يكون طالب علم مجتهدًا في تحصيله، فهو من أعظم الأسباب التي تُقَوِّي الإيمان في القلب، وتقرِّب العبد من ربه، (( ولو لم يكن في العلم إلا القرب من رب العالمين، والالتحاق بعالم الملائكة وصحبة الملأ الأعلى لكفى به فضلًا وشرفًا، فكيف وعِزُّ الدنيا والآخرة مَنوطٌ به ومَشروطٌ بحصوله ) ) [2] . وبالعلم يميّز الراقي بين الحق والباطل، والنافع والضار، وبالعلم يستعين بالله في اختيار الدواء الناجع للداء الواقع، فمن علم كان معه زيادة فضل يفضل بها على من لم يعلم، ولا أشرف من العلم وقد قال عزَّ من قائل: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .
وذا قولٌ نفيسٌ للحارث المحاسبي رحمه الله إذ يقول: (( واصْدُق في الطَّلبِ تَرِثْ علم البصائر، وتَبْدُ لك عيونُ المعارف، وتُمَيِّزْ بنفسك علم ما يَرِدُ عليك بخالصِ التَّوفيق، فإنَّما السَّبْقُ لمن عَمِلَ، والخشيةُ لمن عَلِمَ، والتَّوكُّلُ لمن وَثِقَ، والخوفُ لمن أَيْقَنَ، والمزيدُ لمن شَكَر ) ) [3] .
وقد علمتَ شرف العلم إجمالًا، فينبغي عليك بالأخصِّ العلم بهذا الفن - علم الرقية الشرعية - فتعرف أصوله وأحكامه وقواعد ضبط مسائله، فتُلِمُّ بكلِّ ما يحتاجه الراقي الحَذِق الموفَّق في هذا الفن من عدته وعتاده، وبهذا يكون قد رُجِيَ للراقي الفَتْحَ والتوفيق من الفتَّاح الخبير.
ثالثًا: التقوى والعبادة:
ينبغي للراقي المُوَفَّق أن يكون صاحب عبادة وتقوى، وأن يكون صاحب صلاة وصيام ونُسُك، تُعْرف الطاعة في وجهه، وفي سمته، وهديه، وقوله، وفعله، وهذا أدْعَى للقَبول، ولحصول الشفاء، وتفريج الكربات (( وإذا كان القلب معمورًا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت، بخلاف القلب الخراب المظلم. قال حذيفة بن اليمان: (( إنَّ في قلب المؤمن سراجًا يَزهرُ ) ) [4]
اعلم أيها الراقي المُوَفَّق: متى ما صحَّت التقوى رأيت كلَّ خير؛ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] ومن ألطف المعاني في هذه الآية، ما ذكره العلامة الفيروز آبادي رحمه الله؛ فيقول: (( يُفهم منها أنه لو كانت في العالَمِ خَصلةٌ هي أصلحَ للعبد، وأجمعَ للخير، وأعظمَ للأجر، وأجلَّ في العبوديِّة، وأعظمَ في القَدْر، وأوْلى في الحالِ، وأنجحَ في المآلِ، من هذه الخَصلة لكان الله سبحانه أمر بها عباده، وأوْصَى خَواصّه بذلك؛ لكمالِ حكمته ورحمته. فلمَّا أوصى بهذه الخَصلة جميع الأولين والآخرين من عباده، واقتصر عليها، علمنا أنها الغاية التي لا متجاوزَ عنها ولا مُقتَصر دونها، وأنَّهُ عزَّ وجلَّ قد جمع كلَّ مَحْضِ نُصْحٍ ودلالةٍ وإرشادٍ وسنةٍ وتأديبٍ وتعليمٍ وتهذيبٍ في هذه الوصية الواحدة.
وقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] يُشعرُ بأنَّ الأمر كله راجع إلى التقوى )) [5]
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمه الله (1/ 39)
(2) مفتاح دار السعادة (1/ 353)
(3) رسالة المسترشدين (148)
(4) مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمه الله (20/ 45)
(5) بصائر ذوي التميز في لطائف الكتاب العزيز (2/ 116)