قلتُ ما قلت .. لتعلم أن تقوى الراقي مُهِمَّة جدًا، سِيِّما في قبول دعوته وإجابته، بل أعظم من ذلك في حصول البركة ونزول الشفاء على المبتلى، ومن هنا فَطِنَ أهل العلم لهذه النكتة العزيزة؛ فالرُّقية لا يصلح لها من خلى قلبه من تقوى الله، ولو زعم ما زعم، فنور القرآن لا يكون له! ولا يُمنح هداه ورحمته إلا للعارفين به؛ أهل الله وخاصَّته.
يقول الإمام الخَطَّابي رحمه الله: (( ما أمر به - صلى الله عليه وسلم - وأباح استعماله منها هو ما يكون بقوارع القرآن وبالعُوَذ التي يقع منها ذكر الله عز وجل وأسماؤه على ألسن الأبرار من الخلق والأخيار الطاهرة نفوسهم، فيكون ذلك سببًا للشفاء بإذن الله، وهو الطب الروحاني، وعلى هذا كان معظم الأمر في الزمان المتقدم الصالح أهله، وبه كان يقع الاستشفاء واستدفاع أنواع البلاء. فلما عَزَّ وجود هذا الصنف من أبرار الخليقة وأخيار البرية، فزع الناس إلى الطب الجسماني حين لم يجدوا للطب الروحاني نجوعًا في العلل والأسقام بعدم المعاني التي كان يجمعها الرقاة والمُعَوِّذون والمُسْتَشْفَوْنَ بالدَّعوات الصالحة والبركات الموجودة فيها ) ) [1]
رابعًا: حسن الخلق:
مما يجدر بالراقي أن يكون على خلق حسن، يتأسَّى بقدوته ونبيه - صلى الله عليه وسلم - فقد امتدح الله خُلقه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وقالت الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما: (( كان خُلُقهُ القُرآن ) ) [2]
فينبغي أن يتحلَّى الراقي بالأخلاق الحسنة خاصة مما له علاقة وثيقة في باب الرقية؛ كالتواضع، والحِلْم، والصبر، والعفو،، والرفق، والنُّصح، وحفظ المواعيد واحترامها والصدق فيها، والأمانة وحفظ السِّر، سيَّما مع أهل البلاء ممن وثقوا فيك أيها الفاضل، فإياك أن تفشي لهم سرًا؛ فيقع منك ما لا يحمد وما لا ينبغي فالمستشار مؤتمن، ومن أعظم الأخلاق، التفقد بالدعاء للمريض في ظهر الغيب، فذا وربي له تأثير عجيب، وإني لأعجب من راقٍ يغفل عن الدعاء لمن يقوم على رقيته، فلله كم من بلاء رُدَّ بالدعاء، وكم من مصيبة ومحنة رفعت بالدعاء، وكم من همٍّ وغمٍّ فَرَّجَه الله بالدعاء، وكم من نعمة وعافية استجلبت بالدعاء، فلله ما أعظم شأنه!.
خامسًا: الممارسة والدربة على يَدِ شيخٍ متقن:
وهذه لفتة هامة جدًا، فالذي يريد أن يتصدَِّى لرقية الناس وعلاجهم يحسن به أن يُتقِن علم الرقية على يد شيخٍ يعلِّمه إياها، أرأيتَ كيف طالب الطبِّ يتمرَّس طبه على يد مُعَلِّمِهِ؛ فيزوِّدُه بكلِّ شاردةٍ وواردة، ويحذّره من الأخطاء التي ربما تَعْرِضُ له، وإذا وقعت علَّمَهُ كيف يتفاداها، وكذا الحال في علم الرقية، فينبغي على الراقي أن يتتلمذ على يدِ شيخٍ وأستاذٍ يثق في علمه وخلقه وورعه وربَّانيِّته! يحصَّل منه الخبرة والمهارة والمَلَكة.
ثم أعلم _ علَّمني الله وإياك _ ليس كلُّ من حفظ بعض الآيات أصبح راقيًا ماهرًا حاذقًا، أو قرأ بعض كتب الرقية فحسب؛ فعلم الرقية علمٌ له تأصيلٌ وقواعدٌ وضوابط، كأيِّ عِلمٍ وفَنٍّ من العلوم الأخرى؛ فإذا علّمه شيخه ووهبه من علمه أحسن التصرف في المكَدَّرات، وعرف كيف يُخرِج المبتلى من الضائقات؛ فيميِّزُ بين المنكر والمعروف سيَّما إذا أتبعها بمعرفة أحوال الشياطين ومكرهم فذا الموفق والرَّاقي المحنك فلا يُغلَب إن شاء الله.
وحكمة ذلك: أن المعالج إذا تَطَبَّب وليس بذي طب؛ فأتلف بجهله وما ليس له به معرفة، ضمن ما أتلفه، وهذا محلُّ
(1) أعلام الحديث شرح صحيح البخاري للخطابي رحمه الله (2/ 1120)
(2) انظر: تفسير الطبري رحمه الله (29/ 18)