فهرس الكتاب
مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ )) [1]
فيا لله ما أعظم شأن الذكر! وما أجلّ أمره (( فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجًا بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله وتصاغر وانقمع ) ) [2]
ومما ينبغي على الراقي الحاذق أن لا يغفله أن يتعاهد تحصين أهله وولده، من عبث وأذى الشياطين، فيعلّمهم التحصين بالطاعة والذكر والأوراد الشرعية في الصباح والمساء.
سابعًا: الدعوة إلى الله:
ينبغي للراقي أن يَقْرِنَ في رقيته الدعوة إلى الله عز وجل، لطائفتين:
إحداهما: الناس، وذلك بغرس العقيدة الصحيحة الصافية في القلوب، ويحثهم على التوبة والإنابة، والرجوع إلى الله، وربط القلوب برب الخلق لا بالخلق، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى رد المظالم، والتحذير من انتهاك المحرَّمات؛ كترك الصلاة، وسماع الغناء، وتبرّج النساء، فلا يصح مع هذه المحرمات طلب الرحمات ونزول البركات، فلا بد من الدعوة إلى الله تعالى، ويا لله من أحسن حالًا منه والله يقول جلَّ في علاه: ... {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] .. فينبغي أن يكون الراقي قوله دعوة، وفعله دعوة، وسمته دعوة، بل ربما السَّمْت يكون أكثر دعوةً من قوله وفعله، وهذا سرٌّ عجيب يراه الراقي بعد فترة في مَنْ رقاهم، وكم رأينا تأثر الناس بالسَّمْت الحسن، والهدي النبوي دونما قول أو توجيه، والناس جُبِلَت على حُبِّ من أحسن إليها - فذلك يدعوهم إلى التشبه به، وأكرم بهذا دعوة إلى الله سبحانه.
والطائفة الثانية: الجان المعتدي، فَلْيُسمِعَهُ ويذكِّره بالله تعالى، وليخبره بحكم الشرع في ذم فعله، فيأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويُبَيِّنُ له سوء فعله وعاقبته الوخيمة، فيدعوه بالترهيب تارة وبالترغيب أخرى، ويُبَيِّنُ له أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأنه إذا تاب توبة صادقة تاب الله عليه، وعفى عنه ورَحِمَه وبدَّل سيئاته إلى حسنات، فيتلو عليه قول الحق جلّ في علاه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا - وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 70 - 71] فإذا كان الراقي لديه الهمّ الدَّعَوِي وُفِّقَ بحول الله، وسيرى مِنْ فَتْحِ الله الكثير، وحينها يحصل الشفاء والبُرْء، وهذا الذي نريد؛ فالله الله أيها الموفق في الدعوة إلى الله.
ثامنًا: الإلمام بأحوال الشياطين ومكائدهم وحيل مكرهم:
ينبغي للراقي الفطن المحنَّك أن يعرف تلبيسات الشياطين وألاعيبهم، وحِيَل مكرهم؛ فمن عرفها أَمِنَ من مكرهم وتلبيسهم عليه، ولكن حين يتفطَّن الراقي لمكرهم ويعرف حِيَلهم، يقف كالطود الشامخ في وجوههم، وكالإعصار تتهالك أمامه كل شبهة وتزيينٍ صُبِغ بالحق.
(1) أخرجه الترمذي: كتاب الأمثال عن رسول الله، باب ما جاء في فضل الصلاة والصيام والصدقة، حديث (2863) وقال: (( حديث حسن صحيح غريب ) )وابن حبان في صحيحه (14/ 124) وصححه شيخنا المحدِّث شعيب الأرنؤوط. وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم (1724) من حديث الحارث الأشعري - رضي الله عنه -.
(2) الوابل الصيب (59)