الصفحة 15 من 17

يقول الشيخ سعيد حَوَّى رحمه الله: (( إن فقه مداخل الشيطان على الأنفس من أعظم أنواع الفقه ) ) [1]

وثمة أمر مهم جدًا ألفت نظرك إليه، ألا وهو الحذر من الدخول في حواراتٍ جانبية مع الشياطين، فقد تجاوز بعض الرقاة - هداهم الله - في ذلك وأخذوا يسألون عن كل شيء، فتارة عن أسمائهم، وأعمارهم وما يأكلون، وما يشربون؟!! وكل ذلك من الفضوليات التافهة والتي لا ترجع بكبير فائدة، وأرى أن هذا عبثٌ، ومكرٌ خدَّاع، واستخفافٌ من الشياطين بالراقي صاحب المحاورات والمهاترات، وهذا على حساب المسلمين! وتارة تجد بعضهم يسأله عن أمور هي من علم الغيب!! أو يسألهم عمن حوله وهل هم مصابون بسحر أو عين؟!

والأفضل أن لا يُحادث الراقي الجان وإنما يستمر في الرقية، إلى أن يخرج؛ لأن المُتلبِّس قد يُخْبِرُ أنه مسلم أو كتابي ويكون كاذبًا، فلا نتعرف إلى صدقه من كذبه، وليس لنا وسيلة في معرفة ذلك، وبالتالي الأفضل أن لا يُلتفت إلى الجان بل يستمر في الرقية حتى يخرج بأمر الله تعالى.

تاسعًا: التَّأنِّي في التشخيص:

وهذه آفة عارمة بين بعض الرقاة اليوم، ألا وهي سرعة التشخيص هدانا الله وإياهم.

إن قضية التشخيص ليست بالأمر الهيّن، فالراقي ينبغي أن لا يكون من الذين يسارعون في التشخيص ويقولون الكلمة كيف ما جاءت! ولكن هي أمانة تحمّلناها، فلنؤدِّ حقها بكل إخلاص لله وإتقان، ومن المفيد أن يُعلم أن التشخيص عبر المعطيات والأسئلة من غير رقية في أغلب الحالات يكون بعيدًا عن الصواب مهما كانت خبرة الراقي، فهو بمثابة التشخيص الأوَّليِّ وبحاجة إلى أن يُؤَكَّد برقيةٍ شرعية؛ فربما تَبَيَّن له خطؤه فيَعْدِلُ عنه ويُقَرِّرُ أمرًا آخر، ثم ليعلم أن التشخيص ليس من مصلحة المريض أن يعرفه في بداية أمره بل هو من خصوصيات الراقي فقط، وهذا عندي له أمور وأسباب، منها:

أولًا: أن الراقي بشر يصيب ويخطئ؛ فحين يتسرَّع بتشخيص حالة ثم يجدها بعد فترة سليمة من أي مرض! فهنا كيف يكون الأمر؟ لذا حين يتريّث الراقي في دراسة الحالة ويجمع القرائن وبعض الملحوظات عن الحالة في الغالب يُوَفَّق إلى صحة التشخيص إيجابًا أو سلبًا.

ثانيًا: حين يصرِّح الراقي للمريض تشخيصه أن ما أصابه هو سحر أو حسد أو عين، يبدأ المريض بلَحْظِ من حوله من الناس، ويبدأ الشكُ يُسَاورُه، ويصبح المريض بدلًا من صرف همه في العلاج والاجتهاد فيه، يصبح شغله الشاغل أن يعرف من الذي آذاه؟ وهذا بحدِّ ذاته غير مُجْدٍ في العلاج، بل هو مضيعة وقت على حساب المريض، بل يجرُّه لإساءة الظن بالناس وهم أبرياء، وحينها يكون سرعة التشخيص أفضل الطرق لقتل نفسية المريض! والواجب على الراقي رفع معنويات المريض، وتقوية نفسيته وتشجيعه وحثه على مواصلة علاجه، يقول ابن القيم رحمه الله في وصاياه للطبيب الحاذق - والرَّاقي - هنا كذلك: (( أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها؛ وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان؛ فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمر مشهود. والطبيب - والراقي - إذا كان عارفًا بأمراض القلب والروح وعلاجها كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقًا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب. وكل طبيب - وراقٍ - لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه، وتقوية أرواحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل مُتَطَبِّبٌ قاصر ) ) [2] . وقال: (( أشرف أنواع العلاج هو الإرشاد إلى من يطيب نفس العليل، من الكلام

(1) الأساس (2/ 754) قسم العقائد

(2) زاد المعاد (4/ 144)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت