الصفحة 16 من 17

الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش به القوة وينبعث به الحار الغريزي، فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها، الذي هو غاية تأثير الطبيب، وتفريح نفس المريض، وتطبيب قلبه وإدخال ما يسره عليه، له تأثير عجيب في شفاء علته وخِفَّتِهَا، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي، وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم لهم ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم )) [1]

ثالثًا: أن الذي يحتاج إلى معرفة التشخيص هو الراقي ليعرف كيفية وصف العلاج الناجع، وليس ثمة فائدة في معرفته لدى المريض ابتداءً سوى أنه يُنصح بالسير على جدول يسير عليه، يكون فيه مساعدًا للراقي الذي ربما يُفرِّغ وقتًا ليس بالهيِّن له، فيتعاونان على هذا فيكتب الله له الشفاء.

إنَّه من السهولة عند أي راقٍ أن يُسرع في تشخيصه قائلًا: هذه الحالة سحر أو مس أو عين أو حسد، ولكن أين يذهب من الله؟ بل كيف تجرَّأ وقال ما لا يعرف وأوقع الحيرة على كثير من عباد الله، والله سبحانه يقول: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] هذه هي أهم الضوابط التي ينبغي أن تتوفر في الراقي.

المطلب الثالث

ضوابط تؤهِّل المريض للقبول والانتفاع بالعلاج بالقرآن

وأما ما ينبغي أن يكون عليه المريض المُعَالَج، من الضوابط:

أولًا: فيحسن به أن يتوجَّه إلى الله تعالى بِكُّلِّيَتِهِ، فيتذلل له ويخضع، وينطرح بين يديه، راجيًا رحمته، سائلًا مغفرته تائبًا إليه، قائمًا على أوامره مُبتعدًا عن زواجره، يقول الكحَّال رحمه الله: (( فإنَّ الرُّقى والعُوَذ إلتجاءٌ إلى الله تعالى لِيَهِبَ العافيةَ بسبب سؤاله، كما يهبها بالسَّبب الذي وضعه له بالدّاوء ) ) [2]

ثانيًا: ينبغي على المريض الإحسان إلى الناس، وتفقد فقيرهم بالصدقة، وسائر فعل الخيرات، ومصداق ذلك من كتاب ربنا، ما حكاه عن نبيه زكريا - عليه السلام - وبيان حاله وزوجه في المسارعة للخيرات والطاعات والقربات، فقال سبحانه: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 89 - 90] ومن تأمل ذلك علم عظم نفع الأعمال الصالحة في رفع الهم والغم وسائر الكربات.

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: (( ومن أعظم علاجات المرض فعلُ الخير والإحسان والذِّكر والدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله، والتوبة، ولهذه الأُمور تأثيرٌ في دفع العلل وحصول الشفاء أعظمُ من الأدوية الطبيعية، ولكن بحسب استعداد النفس وقبولِها وعقيدتِها في ذلك ونفعه ) ) [3]

(1) زاد المعاد (4/ 116) بتصرف

(2) الأحكام النبوية (78)

(3) زاد المعاد (4/ 142)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت