الصفحة 5 من 17

يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جسْمَكَ )) [1]

وعَنْ ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال: النبي - صلى الله عليه وسلم: (( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيْهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَةُ وَالفَرَاغ ) ) [2]

وأخرج أحمد رحمه الله في المسند في قصة أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - على هذا المنبر يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا اليوم من عام الأول، ثم استعبر أبو بكر وبكى ثم قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لَمْ تُؤْتَوا شَيْئًَا بَعْدَ كَلِمَةِ الإِخْلاَصِ مِثْلَ العَافِيَةِ، فَاسْأَلُوا اللهَ العَافِيَةِ ) ) [3]

وقال وهب بن مُنَبِّه رحمه الله: (( مكتوب في حكمة آل داود: العافية المُلك الخفي ) ) [4]

وقال بعض الحكماء: (( العافيةُ تاجٌ على رؤوس الأصحَّاء، لا ينظرها إلا المرضى ) ) [5]

لا يعرف المرء إذا لم يُصب ... بنكبة ما موقع العافية

والحالة الثانية: أن يكون العبد في بلاء وسقم، وفي تعب ونصب، وفي ضراء لا يعلم به إلا الله تبارك وتعالى.

فهذه أحوال العباد في الدنيا:

ثمانية قام الوجود بها فهل ترى ... من محيصٍ للورى عن ثمانية؟

سرور وحزن واجتماع وفرقة ... وعسر ويسر ثم سقم وعافية

بهن انقضت أعمار أولاد آدمٍ ... فهل من رأى أحوالهم متساوية؟

ومن هنا، ولكثرة ما يَعْرض للناس من أمراض وعلل وعوارض؛ شرع ربنا الاستشفاء بكلامه وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لمن اشتكى من مرض أو علة بدنية أو نفسية أو عارض عين، أو حسد أو مس أو سحر؛ فكلامه هو الشفاء والرحمة، وهو القائل:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) } [يونس: 57]

وقال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) } [الإسراء: 82]

فتأمَّل هذه المفردة: {وَشِفَاءٌ} جاءت لتفيد أنَّ القرآن شفاءٌ من كافّة الأمراض؛ فلم يقل سبحانه: (( وننزل من القرآن ما هو دواء ) )؛ لأن هذا المعنى مقتصرٌ على البعض لا الكل، فهي لا تُداوي سائر الأمراض، بينما كلمة (شفاء) تفيد حصول الشفاء التام من هذه الأمراض ولا حاجة حينئذ للدواء لحصول المقصود، وهذا لونٌ من الإعجاز البياني في المفردة القرآنية في كتاب ربنا - عز وجل -، ولذا يقول الإمام ابن عطية حين قال: (( وكتاب الله تعالى لو نُزِعتْ منه لفظةً ثُمَ أُدِير لسانُ العرب أن يُوجِدَ أَحسنَ مِنْها لَمْ يُوجَد ) ) [6]

(1) أخرجه الترمذي: كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب سورة ألهاكم التكاثر، حديث (3358) وابن حبان في صحيحه (16/ 364) وصححه شيخنا المحدِّث شعيب الأرنؤوط في تحقيقه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم (2022) .

(2) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب لا عيش إلا عيش الآخرة، حديث (6412) .

(3) أخرجه أحمد في المسند (11) والضياء في المختارة (1/ 110) وقال المحقق: (( إسناده صحيح ) )وقال شيخنا المحدِّث شعيب في تعليقه على المسند (1/ 189) صحيح لغيره.

(4) جامع العلوم والحكم (458)

(5) الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة (2/ 455) .

(6) المحرر الوجيز (1/ 59)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت