وكتب الفقير إلى عفو ربه القدير
محَمّدُ بِنُ يُوسُفُ الجُورَانِي
المبحث الأول
العلاج بالقرآن
ماهيته، وبيان المقصود به.
العلاجُ بالقرآنُ؛ اسمٌ عامٌ، ومصطلحه الشرعي كما جاء من طريق السنة النبوية عُرِفَ باسم: (الرُّقية) فما هو تعريفها؟ وما هي أنواعها؟
-قال ابن الأثير رحمه الله: (( والرُّقْيَة: العُوْذَةُ التي يُرْقَى بها صاحِب الآفة كالحُمَّى والصَّرع وغير ذلك من الآفات ) ) [1]
-وقال ابن منظور رحمه الله: (( والرُّقْية: العُوْذَةُ، والجمع رُقًى، وتقول: اسْتَرْقَيْتُه فرقَاني رُقْية، فهو راقٍ، وقد رَقاه رَقْيًا ورُقِيًّا. ورجل رَقَّاءٌ: صاحبُ رُقىً. يقال: رَقَى الرَّاقي رُقْيةً ورُقِيًّا إِذا عَوَّذ ونفث في عُوذتِه ) ) [2]
يقول القِنّوجي رحمه الله عن علم الرقية الشرعية مُعرِّفًا، هو: (( علم باحث عن الطب الذي ورد في الأحاديث النبوية الذي داوى به المرضى ) ) [3]
والمقصود بها: تعويذ المريض بقراءة شيءٍ من القرآن الكريم، وأسماء الله وصفاته، مع الأدعية الشرعية باللسان العربي - أو ما يعرف معناه - مع النفث حتى يبرأ مما أصابه. [4]
وذكر النووي رحمه الله، عن طلحة بن مُصَرِّف قال: كان يقال: إنَّ المريض إذا قُرئَ عنده القرآنُ، وجد لذلك خِفَّة؛ فدخلتُ على خيثمة وهو مريض، فقلت ُ: إني أراك اليوم ضاحكًا؟ فقال: إني قُرئ عندي القرآن )) [5]
وهي نوعان: رُقىً شرعية: وهي ما كانت من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما لا يخالفهما من الأدعية المعروفة؛ فهذه مقبولة في الشرع. ورُقىً شركية: وهي كلُّ ما كان بكلام وتَمْتَمات غير مفهومة، وألفاظ مجهولة؛ فهي من الطَّلاسم الشركية، وهذه مُحرَّمة في الشرع تَحْرُم الرقية بها أو إتيان من يرقي بها.
والفرق بينهما ما حكاه الإمام الخطابي رحمه الله فقال: (( والفرق بين الرقية التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين ما كرهه ونهى عنه من رقية العزَّامين وأصحاب النُّشر ومن يَدَّعِي تسخير الجن لهم، أن ما أمر به - صلى الله عليه وسلم - وأباح استعماله منها هو ما يكون بقوارع القرآن وبالعُوَذ التي يقع منها ذكر الله عز وجل وأسماؤه على ألسن الأبرار من الخلق والأخيار الطاهرة نفوسهم، فيكون ذلك سببًا للشفاء بإذن الله، وهو الطب الروحاني، وعلى هذا كان معظم الأمر في الزمان المتقدم الصالح أهله، وبه كان يقع الاستشفاء واستدفاع أنواع البلاء. فلما عَزَّ وجود هذا الصنف من أبرار الخليقة وأخيار البرية، فزع الناس إلى الطب الجسماني حين لم يجدوا للطب الروحاني نجوعًا في العلل والأسقام بعدم المعاني التي كان يجمعها الرقاة والمُعَوِّذُن والمُسْتَشْفَوْنَ بالدَّعوات الصالحة والبركات الموجودة فيها ) ) [6]
المبحث الثاني
أهمية العلاج بالقرآن
تكمن أهميةُ العلاجِ بالقرآنِ _ الرُّقية الشرعية _ بين العباد في عِدَّةِ جوانبٍ، أُجْمِلُها فيما يلي:
أولًا: أنها شعيرة من شعائر الدين الإسلامي، وقد جاءت الأحاديثُ نادبةً إلى فعلها؛ فعن جَابِرٍ - رضي الله عنه - قال: (( لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرْقِي؟ قَالَ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ ) ) [7]
ثانيًا: أنها من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، ومعلوم أن العبد في حالة ضعفه وانكساره أقرب ما يكون للطاعة، وسهولة قبوله للخير سيما إن كان طالبًا ما يجبر ضعفه.
ثالثًا: وجود المرضى في كل بيت من بيوتات المسلمين وفي كل زمان، وليس العلاج مقصور على مرضٍ بعينه ولكن في كافة الأمراض البدنية والروحية؛ وعليه؛ فالحاجة ماسة له في كل وقت وفي كل زمان وعلى كل مسلم ومسلمة أن يتعلَّموها.
رابعًا: أنها المخْرَجُ من الكُرَبِ والمصائب التي يُبْتُلى بها العباد؛ فالرقية تكون سببًا لرفع هذه الآلام وبسط العافية بإذن الله تعالى على العباد مما تكون الرقية للراقي منجاة من كرب يوم القيامة. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ) ) [8]
خامسًا: أنَّ فيها الاقتداء بالأنبياء والصالحين، في رفع الظلم عن الناس ومجاهدة شياطين الإنس والجن، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: (( فَهَذَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّهُ مَا زَالَ الْأَنْبِيَاءُ
(1) النهاية في غريب الحديث (2/ 254) مادة (رقا)
(2) لسان العرب (14/ 332) مادة: (رقا) ، ومن اطلاقاتها وما جاء في تسميتها: (العُوذة، النُّشرة، العَزائمُ، التمائم) وللاستزادة انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (23/ 96) .
(3) أبجد العلوم (2/ 360)
(4) وقال القرافي رحمه الله في الفروق (4/ 174) : (( الرُّقْيَةُ: ألفاظٌ خاصةٌ يَحْدُثُ عندها الشفاء من الأسقام والأدْوَاء والأسباب المُهْلِكَة ) ).
(5) التبيان في آداب حملة القرآن (168)
(6) أعلام الحديث شرح صحيح البخاري للخطابي (2/ 1120)
(7) أخرجه مسلم: كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمَّة والنظرة، حديث (2199) .
(8) أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن .. حديث (2699) .