فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 48

الصداقة." [1] "

فالعلة الخفية لا يمكن معرفة مناط الحكم فيها إلا بعسر وحرج. والحرج منتفي بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] لذلك إذا كانت العلة خفية نرى أن الشارع يرد الناس فيه إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعًا للعسر على الناس والتخبط في الأحكام، فمثلًا: قوله تعالى: إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم { [النساء:29] فالتراضي بين المتبايعين هو أساس نقل الملكية، وهو المعتبر في العقود، والتراضي أمر خفي قلبي، لا يمكن إدراكه فلا يصح أن يكون علة لنقل الملكية في العوضين، فأقام الشارع مقامه أمرًا ظاهرًا وهو الإيجاب والقبول الذي هو مظنة التراضي.

ثالثًا: أن تكون العلة وصفًا منضبطًا

يشترط في الوصف المعلل سواء كان حقيقيًا أو لغويًا أو شرعيًا أو عرفيًا أن يكون منضبطًا بأن يكون محددًا متميزًا يمكن التحقق من وجودها في الفرع بحدها فلا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن بخلاف الاختلاف اليسير فإنه لا يؤثر. فغير المنضبط لا يفيد القدر الذي علق به الحكم لأن العلة تفيد الحكم. مثال العلة المنضبطة: تحريم الخمر لعلة الإسكار، فالإسكار وصف محدد منضبط يقاس عليه كل مسكر ولا يؤثر قوة الإسكار وضعفه؛ لأنه اختلاف يسير فإن لم تسكر في بعض الأحوال فذها لا ينافي أن من شأنها الإسكار.

ومثال العلة غير المنضبطة: المشقة في السفر، فالمشقة علة غير منضبطة لكونها تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فلا يصح التعليل بها، لذلك أقام الشارع مقامها أمرًا منضبطًا وهو مظنة المشقة وهو السفر.

رابعًا: أن تكون العلة مناسبة للحكم

ومعنى كون العلة مناسبة في الحكم، أي يصح تعليق الحكم بها وهو أن يغلب على ظن المجتهد أن الحكم حاصل عند ثبوتها لأجلها، دون شيء سواها فهي مظنة لتحقيق حكمة الحكم. فالمصلحة التي قصدها الشارع بتشريع الحكم تتحقق بربطه بهذا الوصف. فالسرقة وصف مناسب وملائم لتشريع الحكم وهو قطع يد السارق؛ لأن ربط الحكم بالسرقة فيه المحافظة على أموال الناس.

وغير المناسب هو ما تخلفت فيه الحكمة عن العلة في بعض الصور مع كون وجودها هو الغالب.

ومثاله المسافر سفر ترفه كالنائم على محمل فإن له أن يترخص بسفره وأن تخلفت الحكمة في حقه وهي تخفيف المشقة. فهذا الوصف هنا غير مناسب لتشريع الحكم. [2] فالأوصاف المناسبة بأصلها إذا جرأ عليها في بعض الجزئيات ما ذهب مناسبتها فإنه لا يصح التعليل بها. والوصف الطردي المحض لا

(1) المسودة (423)

(2) إرشاد الفحول (2/ 159) ، مذكرة أصول الفقه (276)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت