المبحث الثاني: شروط العلة
ذكر الأصوليون في العلة شروطًا تجاوزت عشرين شرطًا [1] ، على خلاف بين العلماء في تقرير بعضها، ولذا سوف اقتصر هنا على أهم هذه الشروط.
أولًا: أن تكون العلة وصفًا متعديًا
وهو أن لا يكون الوصف مقصورًا على الأصل، بمعنى أنه يمكن تحقق الوصف في عدة أفراد؛ لأن أساس القياس مشاركة الفرع للأصل في علة الحكم. فإذا كانت العلة قاصرة على الأصل لم يصح القياس لانعدام العلة في الفرع. قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:"أن علة الحكم إذا كانت لا تتعداه إلى غيره أجمع العلماء على منع القياس بها لعدم تعديها إلى الفرع" [2] واعلم أن تعديه العلة ليست شرطًا في صحة التعليل عند الجمهور، وإنما هي شرط في صحة القياس.
قال ابن تيميه:" والعلة المستنبطة لا بد من دليل يدل على صحتها، وذلك الدليل هو كونها مؤثرة في الحكم، وسلامتها على الأصول من نقض أو معارضة." [3] "
العلة المستنبطة لا يجوز تخصيصها إلا بعلة مانعة، مع بيان العلة المخصصة، فلا يجوز تخصيصها إلا لفوات شرط أو وجود مانع أو ما علم أنه مستثنى تعبُّدًا، فإن تخصيصها بغير علة مانعة مبطل لكونها علة. وأما المنصوصة فيجوز تخصيصها لعلة مانعة، أو دليل مخصص. قال ابن تيميه ـ رحمه الله ـ:" الذي يظهر في تخصيص العلة أن تخصيصها يدل على فسادها؛ إلا أن يكون لعلة مانعة، فإنه إذا كان لعلة مانعة فهذا في الحقيقة ليس تخصيصًا، وإنما عدم المانع شرط في حكمها، فإن كان التخصيص بدليل ولم يظهر بين صورة التخصيص وبين غيره فرقُ مؤثر: فإن كانت العلة مستنبطة بطلت، وكان قيام الدليل على انتفاء الحكم عنها دليلًا على فسادها، وإن كانت العلة منصوصة وجب العمل بمقتضى عمومها إلا في كل موضع يُعلم أنه مستثنى بمعنى النص الآخر." [4] "
ثانيًا: أن تكون العلة وصفًا ظاهرًا جليًا
ومعنى كونه ظاهرًا أي يكون محسًا يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة. قال ابن تيميه:"وإن كانت العلية خفية، فلا سبيل إلى تعليق الحكم بها، وإنما يُعلق بسببها، وهو نوعان:"
أحدهما: أن يكون دليلًا عليها كالعدالة مع الصدق، والأبوة في التملك والولاية فهنا يعمل بدليل العلة ما لم يعارضها أقوى منه.
الثاني: أن يكون حصولها معه ممكنا، كالحدث مع النوم، والكذب أو الخطأ مع التهمة القرابة أو
(1) إرشاد الفحول (2/ 159)
(2) مذكرة أصول الفقه (377) ، وانظر الأحكام للآمدي (3/ 238) ، والإبهاج (3/ 93) .
(3) المسودة (386، 401) .
(4) المسودة (414) .