يعلل به، فمثلًا: كون السارق غنيًا أو المسروق فقيرًا أو عاملًا، أو كون المسافر رجلًا أو امرأةً أو أبيضًا أو أسودًا فكل هذه الأوصاف لا تصلح أن تكون وصفًا مناسبًا للحكم.
خامسًا: أن تكون العلة سالمة بحيث لا تخالف نص ولا إجماع.
فالنص والإجماع لا يقاومهما القياس؛ بل لا يكون لهذا الوصف اعتبار ولا مناسبة للحكم إذا خالف النص أو الإجماع ويكون الحكم باطلًا، لأن القياس لا يستعمل إلا عند عدم وجود النص أو الإجماع فلا يكون رافعًا لهما. وهكذا كل مصلحة تخالف النصوص المقطوع بدلالتها تكون غير صالحة لأن تكون علة لإثبات حكم.
فمثال مخالفة النص: أن المرأة يصح نكاحها بغير أذن وليها؛ لأنها مالكة بضعها وذلك كبيعها سلعتها وهذا مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة نكحت بغير أذن مواليها، فنكاحها باطل ثلاث مرات. [1]
ومثال مخالفة الإجماع أن المسافر لا تجب عليه الصلاة قياسًا على عدم وجوب الصيام عليه في السفر بجامع المشقة. وهذا مخالف للإجماع على عدم اعتبار المشقة في الصلاة ووجوب أدائها على المسافر مع وجود مشقة السفر.
سادسًا: أن تكون العلة مطردة
(1) رواه أبو داود رقم (2069) ، الترمذي رقم (1108) ، وابن ماجه رقم (1879) ، وأحمد (6/ 46) ، والشافعي في الأم (5/ 22) ، والدارمي في السنن رقم (2016) ، وابن حبان رقم (1248) ، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (36106) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 7) ، والدارقطني في سننه (3/ 221 رقم 10) ، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 105) ، والحاكم في المستدرك (2/ 168) ، وعبد الرزاق في المصنف رقم (10472) ، والطيالسي في المسند رقم (1463) ، وابن عدي في الكامل (3/ 265) ، وابن حزم في المحلى (9/ 451 مسألة 1821) ، والبغوي في شرح السنة (9/ 39) كلهم من طرق عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والحديث قد ضعفه بعض العلماء وذلك أن جريج لقي الزهري فسأله عن هذا الحديث، فلم يعرفه. قال الترمذي:"وقد تكلم بعض أهل الحديث في حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره، فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا."
وقد ضعف ابن معين هذه الحكاية فيما ذكر عنه الترمذي أنه قال:"لم يذكر هذا الحرف عن ابن جريج إلا إسماعيل بن إبراهيم. وقال: سماع إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج ليس بذاك. إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد وما سمع من ابن جريج". وقال ابن عبد البر في التمهيد (19/ 86) :" ولو ثبت هذا عن الزهري لم يضر في صحة الحديث، لأنه قد نقله عنه ثقات، منهم: سليمان بن موسى، وهو فقيه ثقة إمام، وجعفر بن ربيعة، والحجاج بن أرطأة، فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك شيء، لأن النسيان لا يعصم منه إنسان ... هذا لو صح ما حكى ابن عليه، عن ابن جريج، فكيف وقد انكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليه " اهـ. وللحديث متابعات أخرى انظر الكامل لابن عدي (3/ 17) ، ومسند أبي يعلى رقم (4837) ، وله شاهد عن ابن عباس كما في المعجم الكبير للطبراني رقم (11494) ، والأوسط رقم (873) ، وابن ماجه رقم (1880) . والحديث صححه جمع من الأئمة، قال الإمام احمد:"أحاديث [أفطر الحاجم و المحجوم، ولا نكاح إلا بولي] أحاديث يشد بعضها بعضًا وأن أذهب إليها."انظر الكامل (3/ 66) ، وميزان الاعتدال (2/ 225) . وصححه علي ابن المديني ذكر ذلك الحاكم في مستدركه، وقال الترمذي عقب الحديث: هذا حديث حسن. وقال الحاكم في المستدرك (2/ 183) :"فقد صح وثبت بروايات الأئمة الإثبات سماع الرواة بعضهم من بعض فلا تعلل هذه الروايات بحديث ابن علية وسؤاله ابن جريج عنه وقوله إني سألت الزهري عنه فلم يعرفه فقد ينسى الثقة الحافظ الحديث بعد أن حدث به، وقد فعله غير واحد من حفاظ الحديث."اهـ. وصححه ابن حزم في المحلى وقد رد على من ضعف الحديث بكلام جميل. وللاستزادة انظر نصب الراية للزيلعي (3/ 184) ، والتلخيص لابن حجر (3/ 179) ، وتحفة الطالب لابن كثير (303) ، و إرواء الغليل للألباني (6/ 243) .