فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 48

العلية بوضع اللغة، ولم تضع العرب ذلك دالًا على مدلوله بالقطع والصراحة؛ بل بالإيماء والتنبيه ولا بدع في مثل هذا الوضع، وإنما لم نجعله من باب الصريح لتخلفه في بعض محاله عن أن يكون إيماء وهو حيث تكون الفاء بمعنى الواو، فكانت دلالته أضعف. [1] ".فالتعليل لازم من مدلول اللفظ وضعًا، وليس اللفظ دالًا بوضعه على التعليل."

والإيماء والتنبيه على أنواع، منها:

النوع الأول: تعليق الحكم على العلة بالفاء، وهذا يفيد العلية بالاتفاق، وهو على أنواع:

الأول: أن تدخل الفاء على العلة، ويكون الحكم متقدمًا، كقوله صلى الله عليه وسلم ـ في المحرم ـ الذي وقصته ناقته: {لا تخمروا رأسه، فإنَّه يبعث يوم القيامة ملبيًا [2] }

الثاني: أن تدخل الفاء على الحكم، وتكون العلة متقدمة، فهذا تنبيه على تعليل الحكم بالفعل الذي رُتب عليه، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما} [المائدة:38] فدل هذا أن القطع معلل بالسرقة، وأنها سببه، وقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} [النور:2] فسبب الجلد الزنى، فهذا الاقتران يدل على أن الوصف الذي اقترن بالحكم هو علته، ومن هنا قال الأصوليون:"تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق".

الثالث: تعليق الحكم على العلة بالفاء في غير كلام الشارع، ما رتبه الراوي بالفاء، كقول عمران بن حصين رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم} رواه أبوداود [3] ، فعلة السجود السهو. فهذه الصيغة من الراوي تدل على أنه فهم الحكم، وفهم سببه، فالفاء في اللغة ظاهرة في التعقيب، وأنه سببه، إذ السبب ما ثبت الحكم عقبه، ولهذا تفهم السببية مع عدم المناسبة، كقوله صلى الله عليه وسلم:"من مس ذكره فليتوضأ." [4] فلا

(1) الإبهاج (3/ 47) .

(2) رواه البخاري رقم (1851) ، ومسلم (2/ 94 رقم 1206) وغيرهما، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.

(3) رواه أبوداود رقم (1026) ؛ ورواه الترمذي رقم (393) ؛ والحاكم في المستدرك (1/ 323) ؛ ابن حبان في صحيحه رقم (2670) ترتيب بلبان، وابن المنذر في الأوسط (3/ 316) ؛ والبغوي في شرح السنة رقم (761) كلهم من طريق أشعث؛ عن ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين. والحديث صححه ابن عبد البر كما في (التمهيد:10/ 209) وقال:"هو حديث ثابت." (التمهيد:10/ 209) ، وصححه الحاكم وقال:"هو على شرط الشيخين، ولم يخرجاه."وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وسكت عنه أبو داود. وضعف الحديث ابن المنذر كما في الأوسط (3/ 317) فقال:"لا احسبه يثبت."وقال الحافظ في الفتح (3/ 98) :"ضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضًا في هذه القصة"قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد شيئًا"... فصارت زيادة أشعث شاذة. ثم قال: لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود، والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي وفي اسنادهما ضعف، فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله أخرجه ابن أبي شيبة."ا. هـ.

(4) رواه ابن ماجه رقم (481) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 75) ، والبيهقي (1/ 130) كلهم من طريق مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان. قال الطحاوي:"هذا حديث منقطع، لأن مكحولًا، لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئا". وقال البصويري في الزوائد:"في الإسناد مقال. ففيه مكحول الدمشقي، وهو مدلس. وقد رواه بالعنعنة فوجب ترك حديثه، لاسيما وقد قال البخاري وأبو زرعة: إنه لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان، فالإسناد منقطع". ومكحول هذا هو مكحول أبو عبدالله الدمشقي. قال النسائي: لم يسمع من عنبسة. وقد خالف ذلك ابن عبد البر فقال في التمهيد (17/ 194) :"قد صح عند أهل العلم سماع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، ذكر ذلك دحيم وغيره". والحديث صححه الحاكم وأبو زرعة. وللحديث شواهد، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وإيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ"أخرجه أحمد (2/ 222) والدارقطني (1/ 147 رقم 8) ، والبيهقي (1/ 132) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 75) كلهم من طريق بقية بن الوليد عن الزبيدي عن عمرو بن شعيب. وبقية مدلس إلا أنه صرح بالتحديث كما عند الدارقطني والبيهقي. قال في التلخيص: قال الترمذي في العلل عن البخاري هو عندي صحيح اهـ. والحديث حسن. وقد يستأنس بحديث أبي أيوب. قال الألباني في الأرواء" (1/ 151) :"وأما حديث أبي أيوب فلم أقف على إسناده، وقد خرج الحافظ في"التلخيص"هذا الحديث عن جماعة من الصحابة وليس فيهم أبو أيوب."اهـ. قلت: قد خرجه ابن ماجه برقم (482) من طريق إسحاق بن أبي فروة، عن الزهري، عن عبدالله بن عبد القارئ، عن أبي أيوب. وهو ضعيف جدًا بسبب إسحاق بن أبي فروة فهو متروك الحديث. والله أعلم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت