فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 48

مناسبة تظهر بين مس الذكر والوضوء؛ فالفاء تفيد تعقيب حكم الوصف، وأنه سببه.

النوع الثاني: ترتيب الحكم على وصف بصيغة الجزاء، كقوله تعالى: {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} وقوله تعالى {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} أي لأجل تقواه؛ لأن الجزاء يتعقب الشرط ويلازمه.

النوع الثالث: أن يقع الحكم موقع جواب لسؤال، كقول الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: واقعت على امرأتي في رمضان. فقال - عليه السلام:"اعتق رقبه [1] "فإنه يدل على أن الوقاع علة للعتق، وهذا القسم يلحق بالذي قبله، وإن كان أقل منه في الظهور وذلك أن ترتيب الحكم هنا بفاء التعقيب المقدرة وهي ليست بقوة فاء التعقيب الصريحة؛ فكأنه قال: إذا واقعت فكفر. ولو كان المراد غير ذلك كان يلزم خلو السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة، ومع كونه خلاف الظاهر.

النوع الرابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا ولم يصرح بالتعليل فيه، فلو قدر أن هذا الوصف غير مؤثر في الحكم لما كان لذكره فائدة، ولكان لغوًا غير مفيد، فيجب تعليل الحكم بذلك الشيء المذكور معه صيانة لكلام النبي صلى الله عليه وسلم عن اللغو إذ الدليل القاطع دل على عصمته من ذلك، فيكون ذكر الوصف تنبيها على أنه علة الحكم. وهو ينقسم إلى أقسام:

الأول: أن يسأل في الواقعة عن أمر ظاهر لا يخفى على عاقل، ثم يذكر الحكم عقبه، فيدل على أن ذلك الأمر المسؤول عنه هو علة الحكم، كقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذا رواه مالك [2] ، فلو لم يقدر التعليل بنقص

(1) رواه البخاري رقم (1936) ؛ ومسلم (2/ 81 رقم 111) ؛ وأبوداود رقم (2373) ؛ والترمذي رقم (720) ؛ وابن ماجه رقم (1671) واللفظ له؛ والدارمي رقم (1668) ؛ كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) أخرجه مالك في الموطأ رقم (1351) شرح الزرقاني؛ وأبوداود رقم (3343) ؛والترمذي رقم (1243) ؛ والنسائي رقم (4545) ؛ وابن ماجه رقم (2264) ؛ وأحمد (1/ 174) ؛ والدارقطني (3/ 49 رقم 204) ؛ والشافعي في الأم (3/ 26) وفي الرسالة (331) فقرة (907) ؛ والحاكم (2/ 38) ؛ والبيهقي (5/ 274) ؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 6) ؛ وابن حبان رقم (5003) ترتيب ابن بلبان؛ والطيالسي رقم (214) ؛ وأبو يعلى في مسنده رقم (712) ؛ والبغوي في شرح السنة (8/ 78) كلهم من طريق مالك بن أنس عن عبدالله بن يزيد عن زيد أبي عياش عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحديث ضعفه ابن حزم في المحلى (8/ 466) مسألة (214) وعله بأن مداره على زيد بن عياش وهو مجهول كذا قال. وقال أبو حنيفة عن زيد في شرح فتح القدير (7/ 29) :"إنه ضعيف عند النقلة". وقال أيضًا: زيدا ابن عياش ممن لا يقبل حديثه. أنظر البناية (7/ 3771) .

والحق أن زيدًا بن عياش، وهو أبوعياش الزرقي المدني، ليس بمجهول، فقد روى عنه ثقتان وهما مما احتج بهما مسلم في صحيحه: عبدالله بن يزيد، وعمران بن أبي أنيس السلمي فتزول الجهالة، وذكره ابن حبان في الثقات (4/ 251) ، وقال عنه ابن حجر في التقريب (ت2159) : صدوق، وقال صاحب الميزان (2/ 105 ت3023) : أن البخاري روى له، وقد وثقه الدارقطني. وانظر تهذيب التهذيب (3/ 236 ت2226) . وقال الحاكم في المستدرك (2/ 39) :"وهذا الحديث صحيح لإجماع أئمة النقل عن إمامة مالك بن أنس وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث، إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة ... والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش."ا. هـ. وقال العيني في البناية (7/ 369) :"وقد تكلم بعض الناس ف يإسناد هذا الحديث، وقال زيد أبو عياش مجهول".

قلت: ليس كذلك، فإن أبا عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ، وأخرج حديثه مع شدة تحريه في الرجال ونقده وتتبعه لأحوالهم"أ. هـ. فتبين من هذه الأقوال أن زيدًا ثقة ولا تضر جهالته عند أبي حنيفة وابن حزم فقد عرفه غيرهما ووثقوه فالحديث صحيح. وانظر:"نصب الراية" (4/ 40) ، و"تحفة الأحوذي" (4/ 351) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت