الرطب كان الاستنطاق عنه غير مفيد لظهوره. فكل عاقل يعلم أن الرطب ينقص إذا يبس لزوال الرطوبة الموجبة لزيادته فدل أن الأمر للتعليل.
الثاني: أن يذكر وصفًا في محل الحكم لا حاجة إلى ذكر ه؛ وإن جرى ابتداء كقوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. [1] فعلة اللعن اتخاذ القبور مساجد، ولو لم يكن كذلك؛ لم يكن لذكر اتخاذهم القبور مساجد معنى في هذا المقام.
الثالث: أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير محل السؤال، فيعلم أن وجه الشبه هو العلة في الحكم، إذ لولاه لم يكن ذكر النظير جوابًا وليس له معنى، وذلك كقوله - عليه السلام - لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين، فقال صلى الله عليه وسلم: {أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك. فقالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء [2] } فالحج من حيث هو دين نظير لدين الآدمي فذكره لنظير المسؤول عنه؛ مع ترتيب الحكم عليه يدل على التعليل به. ومثل هذا يسميه الأصوليون:"التنبيه على أصل القياس" [3] .
فكأنه نبه على الأصل الذي هو دين الآدمي على الميت، وعلى علة حكمه، وعلى صحة إلحاق المسؤول عنه بواسطة العلة المومي إليها.
النوع الخامس: أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر صفة فاصلة، فإن ذلك يشعر بأن تلك الصفة هي علة التفرقة في الحكم، وقد يذكر الحكمين معًا نحو حديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: {قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين، وللراجل سهمًا [4] } فالحكمان
(1) أخرجه البخاري رقم (436) ، ومسلم (1/ 315 رقم 531) ، ومن حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما.
(2) رواه البخاري رقم (1953) ، ومسلم (2/ 154 رقم 1148) وغيرهما، من حديث ابن عباس رضي الله عنه، واللفظ لمسلم.
(3) الإحكام للآمدي (3/ 283) .
(4) رواه البخاري رقم (4228) ، وأبو داود رقم (2716) ، والترمذي رقم (1595) ، وابن ماجه رقم (2854) ، وأحمد (2/ 2) ، والدارمي رقم (23379) ، والدارقطني (4/ 102، رقم 5) ، والبيهقي (6/ 325) .