النوع السابع: اقتران الحكم بوصف مناسب، كقوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم} [الانفطار:13،14] أي لبرهم وفجورهم.
هل يشترط المناسبة في ترتيب الحكم على الوصف بدون فاء التعقيب
اختلف الأصوليون في ذلك على قولين [1] ، وهذا الخلاف مبني على تعريفهم للعلة فمن قال أنها هي الباعثة على تشريع الحكم اشترط المناسبة، ومن قال هي المعرف للحكم لم يشترطها:
القول الأول: اشتراط المناسبة، وهو مذهب الآمدي وابن الحاجب وغيرهم فقالوا: أن ترتيب الحكم على الوصف بدون الفاء لا يفيد العلية إلا إذا كان الوصف مناسبًا. واستدلوا لذلك:
أولًا: إن الغالب من تصرفات الشارع أن تكون على وفق تصرفات العقلاء وأهل العرف، ولو قال قائل:"أكرم الجاهل، وأهن العالم"فلا يفهم من ذلك أن الجهل علة الإكرام، والعلم علة الإهانة؛ بل إكرام الجاهل لوصف يناسب ذلك كشجاعته أو كرمه أو نحو ذلك، وإن إهانة العالم لوصف إنما هي لوصف يفيد الإهانة كفسق أو بخل أو غير ذلك وليس لعلمه.
ثانيًا: الاتفاق أن أحكام الله لا تخلو عن الحكم والمصالح، والوصف الذي لا مناسبة بينه وبين الحكم لا يكون فيه مصلحة، فلا يصح أن يكون علة.
القول الثاني: عدم اشتراط المناسبة، وهو قول الجمهور أن الحكم المرتب على الوصف بدون الفاء يفيد العلية، سواء كان هذا الوصف مناسبًا أو غير مناسب لذلك الحكم، واستدلوا لذلك:
أولًا: أنه لو قال قائل:"أكرم الجاهل، وأهن العالم"فإن أهل العرف يستقبحون ذلك، وليس ما يوجب الاستقباح إلا أنه تبادر إلى الذهن أن علة إكرام الجاهل هي الجهل، وعلة إهانة العالم هي العلم، ففهم التعليل من ترتيب الحكم على الوصف بدون الفاء مع أنه لا مناسبة فيه بين الحكم والوصف.
الثاني: أن المناسبة مسلك مستق لمعرفة العلة، والإيماء مسلك آخر فلا يتوقف أحدهما على الآخر.
وأجيب عن استدلال أصحاب القول الأول: أن أهل العرف لو فهموا من القول المذكور أن العلة في إكرام الجاهل وصف مناسب غير الجهل، وكذلك أن العلة في إهانة العالم وصف مناسب غير
(1) انظر: الإحكام للآمدي (3/ 286) ؛ شفاء الغليل (47) ؛ المحصول (5/ 145) ؛ نفائس الأصول (7/ 3246) ؛ الإبهاج (3/ 48) ؛ البحر المحيط (5/ 203) ؛ إرشاد الفحول (2/ 176) ؛ الروضة (2/ 264) ؛ فواتح الرحموت (2/ 298) ؛ شرح الكوكب المنير (4/ 141) ؛ تهذيب شرح الأسنوي (3/ 73) ؛ نثر الورود (2/ 484) .