فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المال وهذه متعلقة بالدنيا.
الحقيقي الدنيوي ينقسم من حيث المنفعة والحكمة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ضروري: وهو الذي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، المتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمس: (النفس، والدين، والعقل، والنسل، والمال) وهو أعلى مراتب الناسبات، وأصل المصالح. قال الجزائري [1] :
قد أجمع الأنبياء والرسل قاطبة ... على الديانة بالتوحيد في الملل
وحفظ نفس ومال معهما نسب ... وحفظ عقل وعرض غير مبتذل
وألحق بالضروري المكمل له، كتحريم قليل السكر لحفظ العقل، وتحريم البدعة لحفظ الدين.
الثاني: حاجي: وهو ما يحتاج إليه، ولم يصل إلى حد الضرورة فهو مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي ـ في الغالب ـ إلى الحرج والمشقة بفوات المطلوب. كالرخص المخففة بالنسبة إلى إلحاق المشقة بالمرض والسفر. وكالإجارة، فإن الحاجة داعية إلى إجارة المسكن، خصوصًا مع عدم استطاعة التملك، وامتناع مالكها من بذلها. وهكذا البيع والمساقة والمضاربة وما أشبهها.
وقد تكون الحاجة ضرورية في بعض الصور وذلك ما يتوقف عليه سلامة البدن من الهلاك، ويلحق بالحاجي المكمل له كاعتبار مهر المثل في تزويج الصغيرة، والنظر إلى المخطوبة فإنهما داعية إلى دوام النكاح، وإن كان أصل الحاجة حاصلًا بدونهما. فهي كالتكملة والتتمة لرعاية المصالح.
الثالث: تحسيني أو تتميمي: وهو الأخذ بمحاسن العادات، ومكارم الأخلاق، واتباع أحسن المناهج في العبادات والمعاملات، فهو ما يقع موقع التحسين والتزيين، والمتمم للمصالح. كإزالة النجاسة، وأخذ الزينة، وآداب الأكل والشرب، وأشباه ذلك. وذكر الغزالي مثال ذلك: وهوسلب العبد أهلية الشهادة، وليس أهليته حاجة ولا ضرورة، فالرقيق نازل القدرة والرتبة، ضعيف الحال والمنزلة، وكانت الشهادة ونفوذها إلى الفقير منصبًا عليًا لم يكن ذلك لائقًا بحاله. [2]
والتحسينات كالتكملة للحاجيات، والحاجيات كالتكملة للضروريات، وكل تكملة لها شرط، وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال. فإذا أفضى اعتبارها إلى رفض أصلها، فلا يصح اشتراطها عند ذلك، لوجهين:
أحدها: أن في إبطال الأصل إبطال التكملة؛ لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف، فإذا كان اعتبار الصفة يؤدي إلى ارتفاع الموصوف، لزم من ذلك ارتفاع الصفة أيضًا.
الثاني: أنا لو قدرنا حصول المصلحة التكميلية مع فوات المصلحة الأصلية، لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من التفاوت. وبيان ذلك كإتمام الأركان في الصلاة مكمل لضرورتها، فإذا أدى طلبه إلى أن لا تصلى ـ كالمريض غير القادر ـ سقط المكمل. أو كان في إتمامها حرج، ارتفع الحرج عمن لم يكمل، وصلى على حسب ما أوسعته الرخصة [3] .
الحقيقي الأخروي: هو ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضرًا بحيث يكون كل منهما متعلق بالآخرة، كتزكية النفس من الرذائل فإنه مناسب لشرع العبادات من صلاة وصوم وحج ونحوه.
وقد يكون المناسب دنيوي وأخروي معًا، كإجاب الكفارة بالمال فإن فيه مصلحة للفقراء وهذا أمر دنيوي، وثواب للمكفر وهذا أمر أخروي.
القسم الثاني: المناسب الإقناعي:
وهو ما تزول مناسبته بعد التأمل. فيظن بادئ الرأي أنه مناسب، ثم بعد التأمل والبحث وإمعان النظر لا تظهر مناسبته لذلك. مثاله: تحريم الشافعي بيع الكلب قياسًا على تحريم بيع الخمر والميتة لجامع النجاسة والقذارة، والشارع أمر باجتناب النجاسة، وكون الشيء نجسًا يناسب إذلاله، ففي بيع الكلب، ومقابلته بالمال، تشريف وإقامة وزن، وإثبات قدر وهذا يناقض محاسن العادات. فهذه العلة تبدو في بادئ الأمر مناسبة، ولكن بعد التأمل وتدقيق النظر في المعنى وفي الحكم، تنتفي المناسبة. إذ لا معنى كون الشيء نجسًا إلا عدم جواز الصلاة معه ولا يلزم من ذلك استعماله؛ فالانتفاع بالنجسات جائز بالاتفاق، ومعنى البيع: نقل الاختصاص ببدل، فلا مناسبة بين بطلان الصلاة باستصحابه وبين المنع من بيعه.
والوصف المناسب هو ما اعتبره الشارع بنوع من أنواع الاعتبار، فكون الوصف متوافر في رأي المجتهد فإنه لا عبرة به إذا لم يعتبره الشارع.
وقسم الأصوليون المناسب من جهة اعتبار الشارع له وإلغائه إلى أربعة أقسام:
مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل
أولًا: المناسب المؤثر:
أن يدل النص أو الإجماع على اعتبار تأثير عين الوصف علة في عين الحكم. وهذا النوع سماه البيضاوي بالمناسب الغريب [4] . وسمي بالمناسب المؤثر، لحصول التأثير بما اعتبره الشرع بنص أو إجماع دل هذا الاعتبار التام أن الحكم نشأ عنه أو أنه أثر من آثاره وهذا المناسب لا خلاف في صحة القياس عليه عند القائلين بصحة بالقياس. وهو الذي يقال عنه أنه"في معنى الأصل"إذ لا يبقى بين الأصل والفرع إلا تعدد المحل. كإلحاق ولاية النكاح بولاية المال بجامع الصغر، فالصغر اعتبره الشارع بعينه
(1) نثر الورود على مراقي السعود (2/ 496) ، وقد نازع الزركشي في دعوى اتفاق جميع الشرائع على هذه الضروريات، انظر: البحر المحيط (5/ 209) .
(2) شفاء الغليل (196) .
(3) الموافقات للشاطبي (2/ 10) .
(4) تهذيب شرح الأسنوي (3/ 99) .