فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 48

المبحث الرابع: مسائل متعلقة بالعلة:

المسألة الأولى: تعليل بالعلة القاصرة المستنبطة:

العلة القاصرة الثابتة بنص أو إجماع فأطبق العلماء كافة على جواز التعليل بها خلافًا للقاضي عبدالوهاب [1] وإنما الخلاف في العلة القاصرة المستنبطة فهل يجوز التعليل بها أما لا؟

فذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى جواز التعليل بالقاصرة المستنبطة، ومنع ذلك أبو حنيفة.

واحتج أبو حنيفة لقوله بما يلي:

أولًا: أن القاصرة لا فائدة فيها، وما لا فائدة فيه كان عبثًا لا يرد الشرع به، لأن الفائدة من العلة التوسل بها إلى معرفة الحكم وهي مفقودة هنا.

ثانيًا: أن الأصل أن لا يعمل بالظن لأنه جهل ورجم بالطن لقوله تعالى: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم:28] وإنما جوز في العلة المتعدية وذلك لأن فيها فائدة، وهي التوسل بها إلى معرفة الحكم في غير محل النص، وهذه الفائدة لا توجد في القاصرة فتبقى على الأصل لا عمل بها.

ثالثًا: العلة الشرعية أمارة، فلا بد أن تكون كاشفة عن شيء، والعلة القاصرة لا تكشف عن شيء من الأحكام. فلا تكون علة.

ويمكن الرد على هذه الأقوال:

أولًا: لا نسلم أن ليس هناك فائدة؛ بل منها فوائد، منها:

1ـ أنها تقوي الحكم بإظهار حكمته، إذ بالتعليل تعرف الحكمة، وأن الحكم على وفق الحكمة والمصلحة، وهذا أدعى إلى القبول والطمأنينة والانقياد. فمثلًا: المسح على الخفين الحكمة منه دفع المشقة وإن لم يقس عليه غيره.

2ـ بالعلة القاصرة يعلم بسببها امتناع القياس لكون الحكم قاصر على محله. ومن ذلك جعل شهادة خزيمة كشهادة رجلين لعلة سبقه إلى ذلك النوع من تصديقه صلى الله عليه وسلم

3ـ أن النص يزداد قوة بها، فيصيران كدليلين يتقوى كل منهما بالآخر. [2]

ثانيًا: أنها تفيد الظن الراجح في صحة الحكم، والظن الراجح يعمل به، فلا يكون مخالفًا للآية.

ثالثًا: قولهم العلة القاصرة لا تكشف عن شيء من الأحكام لا يسلم لهم؛ بل تكشف عن المنع من استعمال القياس. وبهذا يتبين أن الأرجح جواز التعليل بها مع منع القياس بها. والله أعلم

قال ابن تيمية:"والعلة المستنبطة لابد من دليل يدل على صحتها، وذلك الدليل هو كونها مؤثرة"

(1) انظر المحلى على جمع الجوامع (2/ 241) ، إرشاد الفحول (163) ، المسودة في أصول الفقه (411) .

(2) المحصول للرازي (5/ 313) ، روضة الناظر (315) ، شرح الكوكب المنير (4/ 56)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت