فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 48

التحريم الطعم أو الكيل أو القوت أو المال؛ لأن كل من هذه الأوصاف موجودة في العرايا، والتحريم تخلف عنها، حيث جاز بيعها إجماعًا مع وجود التفاضل، وهذا لا يقدح في علة الربا بل هو تخصيص لحكم العلة؛ كتخصيص العام فإنه إذا خرج بعض أفراده بقي حجة فيما سواه. كما أن دلالة الإجماع على الوصف أقوى من دلالة الدليل على تخلف الحكم المستلزم لعدم العلية، فقد قام الإجماع على أن علة الربا لا تخرج من كونها الكيل أو الطعم أو الاقتيات أو الادخار أو المالية، فقدم الإجماع عليه لترجيحه وكانت العلة ثابتة في غير محل التخلف.

وقد اختلف الأصوليون في النقض هل يكون قادحًا في العلة أم لا، على مذاهب منها:

الأول: أنه يقدح في العلة مطلقا، سواء كانت العلة منصوصة [1] أو مستنبطة، وسواء كان الحكم لمانع أو لا. وهذا مذهب المتكلمين، وأكثر أصحاب الشافعي، وهو قول القاضيان أبو يعلى وأبو الطيب [2] . وذلك أن العلة مستلزمة للمعلول، فإذا انتفى الاستلزام فقد انتفى لازم العلة فتنتفي العلية، وأجيب عن هذا بأن العلة هي الوصف المعرف للحكم، وليست هي الوصف المستلزم للحكم. والوصف عند تخلف الحكم عنه لمانع يصدق عليه أنه معرف للحكم، ويصدق عليه أنه علة.

الثاني: لا يقدح في العلة مطلقا، وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد ووجهه أن تخلف الحكم عن الوصف في بعض الصور إما أن يكون لدليل أو لغير دليل ـ فالعلة بالنسبة إلى محالها كالعموم اللفظي بالنسبة إلى موضوعاتها، فكإجاز تخصيص العموم اللفظي وإخراج بعض أفراده فكذلك في العلة ـ فإن كان التخلف لدليل لم يقدح لأن هذا الدليل يكون مخصصًا للدليل الذي دل عليه على العلية، والتخصيص جائز. وإن كان التخلف لغير دليل لم يعتبر ذلك التخلف، والمعتبر هو الدليل الذي دل على العية وبذلك لا يكون قادحًا.

الثالث: لا يقدح في العلل المنصوصة، ويقدح في المستنبطة، قال إمام الحرمين:"ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة" [3] ووجه: أن العلة المنصوصة أن تخلف عنها الحكم في بعض الصور بدليل فإنه لا يخرج عن كونه تخصيصًا للعلة لأن تخلف لمانع لا يقدح في العلة، وأما المستنبطة، فإن إثبات عليتها يرجع إلى المجتهد، ومستنده ظني، وإذا تخلف ما استنبطه عن الجريان ضعفت مسالك ظنه، وليس له أن يحكم بتخصيص العلة.

الرابع: لا يقدح حيث وجد مانع مطلقا، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة، فإن وجد مانع قدح. اختاره البيضاوي. ووجه: أن نقض العلة في بعض الصور بدليل على تخلف الحكم عن

(1) أي منصوصة بالتصريح أو بالإيماء أو بالإجماع.

(2) المسودة (410) .

(3) البحر المحيط (5/ 262) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت