فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 48

القادح الثالث: القلب

وهو إثبات أن ما استدل به في المسألة على ذلك الوجه عليه لا له إن صح [1] . فيثبت المعترض نقيض حكم المستدل بعين دليل المستدل فيقلب دليله حجة عليه لا له. مثاله: إذا قال المستدل:: أن الصوم شرط في الاعتكاف؛ الاعتكاف لبث مخصوص فلا يكون بمجرده قربه كوقوف عرقه، لابد ان يقترن به الإحرام والنية، وكذلك الاعتكاف لابد أن يقترن به عباده وهو الصوم، فيقول المعترض: الاعتكاف لبث محض فلا يشترط له الصوم كالوقوف بعرفه فإنه لا يشترط لصحته الصوم. فعلة المعترض هي علة المستدل، وإنما قلب الدليل ليبطل مذهب الخصم ويصحح مذهبه.

ذهب أكثر الأصوليين إلى أن القلب حجة قادحة في العلة. وحجة ذلك ان القلب يضعف دليل المستدل لأنه ينتج خلاف ما أثبته دليله، والدليل الواحد لا يدل على الشيء الواحد وخلافه [2] .

وذهب قوم إلى أنه غير قادح في العلة. لأنه معارضة في غير الحكم الذي علل به المستدل، وذلك أن المعترض إما أن يعترض في دليله لنقيض حكم المستدل أو إلى غيره. فإن كان الأول تعذر عليه القياس على أصل المستدل لاستحالة اجتماع حكمين في صورة واحدة. وإن كان الثاني؛ فلا يكون اعتراضًا على دليل المستدل.

وأجيب عن الشق الأول. فإن القلب حقيقته إثبات خلاف مدعي المستدل بعلة المستدل وأصله، واجتماع حكمين متقابلين في الصورة الواحدة واقع ولا يمتنع، فالوقوف بعرفه قد ثبت فيه عدم اشتراط الصوم، وكونه ليس بمجرده قربه مع تنافيها عند أبي حنيفة في الاعتكاف. والحكمين غير متنافين لذاتهما، فلا جرم يصح اجتماعهما في الأصل ولكن قام الدليل على امتناع اجتماعها في الفرع فالخصمان متفقان على أن الثابت في الفرع من هذين الحكمين هو أحدهما فقط. فثبوت أحدهما يقضي بعدم ثبوت الآخر.

ومنهم من فصل فقال: لا يجوز قلب التسوية لأن حكم الأصل فيه يخالف حكم الفرع، ويجوز القلب الآخر، وهو: أن يصرح بحكم يستوي فيه الأصل والفرع، ويلزم منه محل النزاع. [3]

وهناك نوع ثالث من القلب لا يفسد العلة عند الحنابلة وأكثر الشافعية وهو ان يكون الحكم المعلل علة، والعلة معلولا، بأن يقول: من صح طلاقه صح ظهاره، ومن صح ظهاره صح طلاقه.

قال أبو الوليد الباجي: "القلب سؤال صحيح يوقف الاستدلال بالعلة ويفسدها، وإليه ذهب القاضي أبوبكر، وكان القاضي أبو الطيب وشيخنا أبو إسحاق الشيرازي يقولان: هو معارضة وأنه لا

(1) انظر المحصول (5/ 263) ، والآمدي (4/ 112) ، الإبهاج (3/ 127) ، المحلى على جمع الجوامع (2/ 311) ، شرح الكوكب المنير (4/ 331) ، نثر الورود (2/ 538) .

(2) انظر ابحر المحيط (5/ 290) ،الآمدي (4/ 115) ، تهذيب شرح الأسنوي (3/ 144) .

(3) انظر المسودة (446) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت