فهرس الكتاب
وعجزت العقول العلمانية عن إثبات الشرعية العقلية لهذا المعنى أو ذاك، واختلفوا حول حجم حرية الصحافة، وحرية وجود الأحزاب السياسية، واختلفوا حول حدود حرية الشباب، والوالدين، والأطفال، فبعضهم يعتبر ضرب الأب أو الأم للطفل اعتداء على حرية الطفل وحتى لو اجتمع العلمانيون وحاولوا أن يتفقوا عقليا على تعاريف واضحة وشاملة للحرية فلن ينجحوا أبدا، وإذا حاولوا أن يصلوا لها من خلال التصويت على مستوى الشعب فهذا ليس حلا علميا وعقليا، بل هو حل سياسيي، لأن كل شعب سيختار المعاني التي يقتنع فيها، وهذا يعني أن الحرية ستختلف معانيها من شعب لآخر. وستبقى المعاني الصحيحة للحرية مجهولة ويعني ذلك أننا سنسعى وراء شئ غامض، وسراب لا نعرفه إلا اسمه حتى ولو عرفنا بعض ملامحه مما لا تختلف عليها العقول العاقلة، ونقول لكل المفكرين والمنادين بالإصلاح والرقي البشري لا تتعاملوا مع الواقع قبل أن تعرفوا ما هي الحرية الصحيحة؟ وما هو العدل؟ فالنوايا الصادقة لا تكفي للإصلاح، وقد يكون من الغريب أن التعمق في قضية الحرية سيجعلنا نقتنع أن الإنسان مقيد بقيود متنوعة و واجبات كثيرة، فحرية القول ليست على إطلاقها، فممنوع اتهام الناس، أو السخرية منهم، أو غيبتهم، أو شتمهم ،أو استخدام ألفاظ بذيئة، وأنت لست حرا في وقتك، فهناك واجبات كثيرة نحو والديك وأهلك وأبنائك و وطنك وأقاربك الخ وهناك وقت للعبادة والعمل الخ وننبه هنا إلى قضية هامة جدا وهي أن البعض يفهم الحرية بأن معناها التحرر من المبادئ والأخلاق، ونقول التحرر الحقيقي هو التحرر من الشهوات، وحب المناصب، وعشق المال، والحسد، والحقد الخ . ويقصد أغلب العلمانيين بالحرية حرية الفساد الأخلاقي، وحرية التهجم على الدين وحرية الزندقة والكفر، وحرية إثارة الغرائز الجنسية بالروايات والأفلام: قال لي أحد المتأثرين بالعلمانية: من حق الإنسان أن يمارس الجنس إذا كان عمره