وذكر المستشرق الألماني بروكلمان أن شدة تفكير محمد، - صلى الله عليه وسلم - ، فيما عليه قومه من شرك وضلال خلق في ذهنه فكرة دين جديد يصلح به حال العباد والبلاد، يقول بروكلمان أغلب الظن أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد انصرف إلى التفكير في المسائل الدينية في فترة مبكرة جدًا، وهو أمر لم يكن مستغربًا عند أصحاب النفوس الصافية من معاصريه الذين قصرت العبادة الوثنية عن إرواء ظمئهم الروحي
الرد
إن هذه الصورة التي حدَّد معالمها هؤلاء المستشرقون، تتسم بكثير من المغالطات والأكاذيب والادعاءات الزائفة التي ملاكها الجهل بسيرة محمد، - صلى الله عليه وسلم - التي تخبرنا أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يلتفت إلى أمر النبوة ولم يعبأ بها ولم يسع إليها، بل كان منذ طفولته ميالًا إلى الوحدة، تواقًا إلى العزلة، مبتعدًا عن جهالة قومه وضلالاتهم، تاركًا عبادتهم، فلم يعبد معهم صنمًا ولا عظَّم وثنًا .
ويقول محمد رشيد رضا ،التحقيق في صفة حال محمد، - صلى الله عليه وسلم - من أول نشأته، وإعداد الله تعالى إيَّاه لنبوته ورسالته: هو أنه خلقه كامل الفطرة ليبعثه بدين الفطرة، وأنه خلقه كامل العقل الاستقلالي ليبعثه متممًا لمكارم الأخلاق، وأنه بغَّض إليه الوثنية وخرافات أهلها ورذائلهم من صغر سنه، وحبَّب إليه العزلة حتى لا تأنس نفسه بشيء مما يتنافسون فيه من الشهوات والملذات البدنية، أو منكرات القوة الوحشية، كسفك الدماء والبغي على الناس، أو المطامع الدنيئة، كأكل أموال الناس بالباطل، ليبعثه مصلحًا لما فسد من أنفس الناس، ومزكِّيًا لهم بالتأسي به وجعله المثل البشري الأعلى لتنفيذ ما يوجهه إليه الشرع الأعلى·