الصفحة 99 من 195

1 ـ إن العالمية صفة طبيعية تلازم التوحيد بحيث لا يمكن التفكيك بينهما، وهي مقتضى توحيد الله وعدله، فالإله الواحد لابد وأن تكون نظرته إلى مخلوقاته واحدة دون تمييز لأحد من عباده على آخر، وإذا تصورناه إلهًا يميز بين مخلوقاته وعباده على أساس اللون والعرق أو القبيلة أو النسب فإنما نتصور إلهًا ظالمًا، وهو ليس الخالق العظيم الحكيم الرحيم العادل الذي نقصده ونعبده وإنما إلهًا موهومًا خلقته أمراضنا الأخلاقية والاجتماعية، كما هو إله التوراة الذي ميّز بني اسرائيل وجعلهم شعبه المختار، كما يدعي اليهود.

إن التوحيد الصافي الرائق الذي يتميز به الإسلام انتج رؤية اجتماعية مستقيمة تؤكد على الوحدة البشرية المتساوية الأفراد. فالبشرية من وجهة نظر القرآن الكريم بكل أدوارها وأجيالها، ومنذ أول فرد فيها وحتى آخر فرد منها أمة واحدة، قال تعالى مخاطبًا أنبياءه: (وإنّ هذه أُمّتكم أُمّة واحدة وأنا ربّكم فاتقون) وهذه الأمة الواحدة ترجع إلى اُسرة واحدة، والاُسرة الواحدة ترجع إلى نفس واحدة، قال تعالى: (يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءًا ...) .

فهناك رب واحد، ونفس واحدة، واُسرة واحدة، واُمة واحدة، ودين واحد هو الإسلام، وهكذا يتحول التوحيد الحقيقي الخالص من الشوائب إلى رؤية اجتماعية مستقيمة تؤكد على الوحدة والعدل والمساواة، وإلى مناخ أخلاقي يساعد على اجلاء الفطرة ونمو الفضيلة، وبعبارة أخرى، هكذا يتحول التوحيد إلى رؤية عالمية، فالعالمية هي المولود الطبيعي للتوحيد، والتوحيد هو الأب والمنبع الوحيد للعالمية.

ومن هنا فإن الدين عالمي بطبعه وجوهره. وليس هناك دينٌ قوميٌ وآخر غير قومي، نعم هناك نبوة محلّية تقتصر اهتمامها على بقعة معينة وقبيلة خاصّة، وأخرى تفتح ذراعيها للأرض كلها.

سيدرسكى Siderskey

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت