فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 133

وساروا إلى ضاحية من ضواحي باريس .. واستظلّوا من الريح والأمطار بشجرة ضخمة وارفة الظلال .. وكان يومًا لا عاصم فيه من أمر الله إلاّ من رحم، وبينما هم في لهوهم ومجونهم زمجرت رياح العاصفة زمجرة هائجة .. فاقتلعت الشجرة التي تظلّهم، وكأنّها نبتة صغيرة يقتلعها طفل صغير، وحملتها فوق رءوس القوم، ولو ثبتوا في مكانهم لكان بلاؤها عليهم محدودًا، ولكنّهم هاجوا وهربوا أمامها، وكأنّهم يريدون أن يكونوا في مرماها، فوقعت عليهم، فكانت أغصانها ذات الظلال الوارفة بالأمس كأنّها مخالب الوحوش الكاسرة وأنيابها، فما نجا منهم إلاّ جريحٌ كسير، والبقيّة افترسها الموت، وباءت بسوء المصير ..

16 * والله لا أزال أغنّي حتّى ينقطع هذا النفس.!

كان صوته للناس فتنة، وشخصه فتنة أكبر، وكان مفتونًا بنفسه على قدر فتنة الناس به، بل بصورة أكبر .. وكلّما حقّق في عمله ما يسمّيه إنجازًا كانت الفتنة به أكبر، وكان وراء تلك الفتنة أبواب للشرّ والفساد أعظم، وأدهى وأمرّ .. حتّى تهالكت قواه، وأصبح وهو في سنّ الأربعين، وكأنّه قد تجاوز الستّين .. واجتمعت كلمة الأطبّاء عليه أن لابدّ له من التخفيف عن نفسه .. فأبى عليه غروره وكبرياؤه، فتحدّى أطبّاءه.! وقال لهم: والله لا أزال أغنّي حتّى ينقطع هذا النفس.! وكان يظنّها كلمة، ليس لها من تبعة.!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت