قال ابن حبان -رحمه الله تعالى-"والخلق مجبولون على الغضب ، والحلم معا ، فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل على أن مفارقته في الأحوال كلها أحمد"ا.هـ (1)
المبحث الرابع درجات الغضب:
هي التفريط ، والإفراط ، والاعتدال (2) ،ونأتي إلى بيان كل درجة منها بإيجاز:
أولًا: التفريط: وهو أن يفقد قوة الغضب أو ضعفها ، وهذا مذموم ، وهو الذي يقال فيه: إنه لا حَمِيَّة له ، ولذلك قال الشافعي: « من اُستُغْضِبَ فلم يغضبْ فهو حمار » ، فهذا قد فَقَدَ معنى الغَيْرَة والعِزَّة ، ورضي بقلة الأنفة واحتمال الذل .
ثانيًا: الإفراط: وهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته ، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ، ولا نظر ، ولا فكرة ، ولا اختيار ، وسبب غلبته أمور غريزية ، وأمور اعتيادية .
ثالثًا: الاعتدال: وهو الغضب المحمود ، بأن ينتظر إشارة العقل والدين ، فينبعثَ حيث تجبُ الحَمِيَّةُ ، وينطفئُ حيث يَحْسُنُ الحلمُ وحفظُهُ على حد الاعتدال والاستقامة التي كلف الله تعالى بها عباده وهو الوسط .
الفصل الثالث: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم
المبحث الأول: هدي النبي في الغضب
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم رأفته ,ورحمته وشفقه , وعفوه , وصفحه ,يغضب, ولكن غضبه كان لله عز وجل , فكان لا يصبر على أمر تنتهك فيه حدود الله وحرماته ,وكان صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه قط كما قالت عائشة رضي الله عنها: (وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه , إلا أن تنتهك حرمة الله , فينتقم لله عز وجل) (3) 0
(1) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء /141, لابن حبان البستي
(2) إحياء علوم الدين 3/179. لأبي حامد الغزالي
(3) أخرجه البخاري ,باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ,برقم (3367) ؛ ومسلم باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام, وانتقامه لله عند انتهاك حرماته.