فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 211

فلنبحث المعالم الرئيسة للحل الذي"صنعته"فرنسا، لتسوية القضية الجزائرية.. يقوم الحل الفرنسي في أساسه على فكرة الإدماج.. إدماج الجزائر بفرنسا.. وهنا تكمن نواة هذه الأسطورة.. إن الإدماج ليس عملية كيميائية، يمكن بموجبها جمع مادتين وخلطهما وتتم عملية الإدماج.. إن الإدماج، إذا كان مقدرًا له أن يتم، هو تطور طبيعي، تاريخي، إنساني.. إنه ينشأ نشأة طبيعية، ولا يمكن أن يولد بطريقة صناعية.. إنه نشوء ذاتي، وليس بتركيب كيميائي مصنوع.. وبالنسبة إلى موضوع الجزائر، فلسنا نرى عاملًا واحدًا يدعو إلى الإدماج.. كل العوامل تدعو إلى الافتراق والانفصال.. فرنسا والجزائر شعبان منفصلان بعضهما عن بعض، في كل معنى.. إن للشعب الجزائري وجودًا قوميًا، ووعيًا وطنيًا، يختلفان ويتميزان عن الشعب الفرنسي. إن الآمال، اللغة، الثقافة، التقاليد، الماضي والحاضر، كل ذلك متباين بين الشعبين.. ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع إدماجهما في شعب واحد.. وليس يكفي قرن من الزمان، أو يزيد!! لقد جربت فرنسا خلال هذه الحقبة الطويلة جميع الوسائل العسكرية والاجتماعية والسياسية والثقافية، لتجعل من الجزائر أرضًا فرنسية، ففشلت التجربة؛ فشلًا ذريعًا. ولقد قاومت الجزائر بعناد وضراوة هذه الجهود الفرنسية.. وخرجت الجزائر بعد هذا الصراع الطويل عربية، كأية دولة عربية، تناضل من أجل الحفاظ على عروبتها وشخصيتها وترابها.. وها هي تحارب من أجل حريتها واستقلالها.. حتى الأجيال الجزائرية الناشئة التي اغترفت الكثير من الثقافة الفرنسية إنهم من أشد الأعداء تصميمًا على رفض الإدماج.. وأنه ليحلو لكم أن تستمعوا إليهم بلغتهم الفرنسية الباريسية، وهم يسخرون من المهزلة - مهزلة الإدماج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت