فهرس الكتاب
لفرنسا، قد تنسحب من الأمم المتحدة - وهذه الإنذارات وأمثالها قد ترددت هنا في الأمم المتحدة، كلما جئنا بالقضية الجزائرية إلى الأمم المتحدة.
ورغمًا عن أن هذه الإنذارات كانت تعبر دائمًا من غير إصغاء لها، إلا أنه كان واضحًا ما وراءها من الذكاء.. إن فرنسا تعرف مكانتها في تاريخ الإنسانية.. إن فرنسا تعرف أمجاد الثورة الفرنسية.. إن فرنسا تعرف روعة فنها، وجمال شعرها، وثراء تقاليدها.. إن فرنسا تعرف جاذبيتها وسحرها وفتنتها.. وإن فرنسا بهذه الكنوز الرفيعة تسعى جاهدة إلى أن تتجنب الحساب أمامكم، أو أن يلتمس منها تقديم الحساب.
نحن نعرف كل هذا عن فرنسا، وكنا نجد فيه إغراء كبيرًا، يكاد يجعلنا نستسلم أمام العواطف الفرنسية والحساسية الفرنسية.. ولكنه لم يغب عن خاطرنا كذلك أن القضية الجزائرية مشحونة بالعواطف والحساسيات الإنسانية، على مستوى أعلى، وصعيد أرفع..
إن القضية الجزائرية لها عواطفها وأحاسيسها.. لها تجاربها الأليمة ومآسيها القاسية، وأن لها كذلك الحوافز الإنسانية، على أشد ما تكون لهفة وشوقًا لتحقيق السلام والحق والعدل، بل أن لها كذلك تاريخها الطويل، لمائة وخمسين عامًا تميزت بالحرب، واليتم، والثكل، والخراب، والقمع والإرهاب.. كل هذه المآسي تعيش في صميم القضية الجزائرية بكل ما تثيره من أحاسيس الثأر والانتقام والكراهية..
ولكنني أؤكد لك، يا سيدي الرئيس، أننا جئناكم في العام الحالي لنبحث القضية الجزائرية، دون أن نحمل معنا ملفات الماضي الرهيب، ومن غير رغبة في الاتهام أو الإدانة.. إن الحالة في الجزائر، حتى هذه الدقيقة، تقشعر لها الأبدان.. ولكننا عازمون أن لا نثير هذا الموضوع.. وكنا في شهر