فهرس الكتاب
واليوم تنقسم السلفية إلى فئات:
-فئة عكفت على تخريج الأحاديث وبيان الضعيف والقوي منها، فأشبعوه بحثا حتى كادوا أن لا يتركوا فيه ثغرة، وبالتالي هم لا يلتفتون إلى ما تعانيه الأمة في صراعها مع الكفار، ولا تعنيهم قضية فلسطين في قليل أو كثير ولا تهزهم الأحداث وإنما يشغلون أنفسهم والناس بالنوافل والسنن، وعلى سبيل المثال يصطنعون معارك في السنة القبلية من يوم الجمعة هل وردت أم لم ترد، وفي تحريك الأصبع في التشهد، وبتقصير الثوب، وتطويل اللحى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الآذان، والشرب والإنسان واقف، والقيام للقادم، وتحضرني هنا قصة أقرب إلى الفكاهة إذ كان عدد من الأصدقاء مدعويين عند صديق لهم في رمضان، فلما أذن المغرب قال واحد من المدعويين حينما بدأ الأكل"بسم الله الرحمن الرحيم"وكان في المجلس (سلفي) قال:"يا أخي لم ترد هكذا وإنما ورد بسم الله فقط"، فقال الذي سمى بسم الله الرحمن الرحيم:"والله لا أفطر اليوم ما دمت أذنبت حينما قلت بسم الله الرحمن الرحيم".. وهكذا يشغلون الناس في معارك جانيبة .. والسلفيون هؤلاء يخلطون الأحكام الشرعية، فيرفعون المندوب (السنة) إلى مرتبة الواجب أو الفرض، واللمم إلى مرتبة الكبيرة، والله يقول (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) [النجم: 32] ، والكبيرة هي ما فرض الله لها عقوبة في الدنيا أو الآخرة أو فيهما، واللمم كل ما نهى عنه الإسلام ولم يفرض له عقوبة في الدنيا ويمحوه الله في الآخرة إذا أستغفر ولم يصر على فعله، ويمحوه الوضوء إلى الوضوء، والصلاة إلى الصلاة، ورمضان إلى رمضان، والحج إلى الحج والعمرة. لذلك حينما يرفعون السنة والمندوب إلى مرتبة الواجب، ويرفعون اللمم والصغائر إلى مرتبة الكبائر فهم بذلك يشددون بغير دليل شرعي، ويعسرون بغير برهان. والرسول صلى الله عليه وسلم حينما أرسل عليا ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - إلى اليمن كان فيما أوصاهما:"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا"ولكن إخواننا السلفيين فات على كثير منهم هذا الأمر، فأصبح التشدد في النوافل والسنن طريق الكثير منهم، وبعضهم الآن يأخذون بالحديث الضعيف أو الحسن أو الصحيح ويقدمونه على الآية فوقعوا في أخطاء كثيرة، منها على سبيل المثال، القول بعذاب أب النبي وأمه، اعتمادا على حديثين مرويين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
-أما الحديث الأول:
الذي يستند إليه بعض السلفيين في عذاب أم النبي قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أستأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي". وهذا الحديث إن لم نؤوله نرفضه. فأمه ليست في حاجة لإستغفار، لأن الإستغفار لمسلم إرتكب ذنوبا، وأمه ماتت من أهل الفترة، فذنوبها مغفورة ولو كانت أم النبي كافرة معذبة كما يقول هؤلاء، لما أذن الله له بزيارة قبرها. (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) [التوبة: 84] .. فأم النبي وأبوه لا يعذبان بنص القرآن.
-الحديث الثاني:
أن إمرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت:"أدعو لأبي أن يدخل الجنة"، فقال لها:"أبوك في النار"فولت تبكي، فأرجعها النبي صلى الله عليه وسلم وقال:"أبي وأبوك في النار".. وهذا الحديث إن صح يؤول بأن النبي كان يريد عمه أبا لهب، والعم أب بنص القرآن (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [البقرة: 133] وإسماعيل عم يعقوب. وإن لم نؤول الحديث نرده دراية لأنه يناقض قواعد قرآنية وهي:
-القاعدة الأولى: العذاب ليس إلا بعد رسول (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الإسراء: 15] .
-القاعدة الثانية: إن أهل الفترة ناجون (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير) [المائدة: 19] .
وأبو النبي وأمه ماتا قبل الرسالة، فهما من أهل الفترة والله يقول في هذا الأمر (وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) [سبأ: 44] .. لذلك أبا النبي وأمه ناجون بنص القرآن، فإن لم نؤول الحديث