الصفحة 12 من 30

المشرع الإسلامي لم يكن يصلح إلا للاستهلاك لأن الفائدة فيه لم تكن إلا شكلًا من أشكال استثمار عون المحتاجين الذين هم أولى بالعطف والرعاية [1] .

وهذه الشبه ضعيفة لا تحتاج لبيان ضعفها إلى أكثر من التأمل في الآية القرآنية (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ، أليس فيها ما يشعر بأن العرب كانت تتعامل بالربا للأغراض التجارية، ثم ألم يكن العرب تجارًا فما المانع لهم من التعامل بالربا في التجارة وهم الذين حاولوا تشبيه البيع بالربا زعمًا منهم بأن البيع مثل الربا [2] .

ثم إن يهود المدينة كانوا يقدمون المال ليس من أجل أغراض استهلاكية فحسب وإنما من أجل التجارة أيضا فوجود المضاربة والمشاركة بين العرب لا يدل على أن الفائدة الإنتاجية لم تكن منتشرة بينهم [3] .

ثم إن الحكمة الرئيسية لتحريم الفائدة في القروض الممنوحة لأغراض إنتاجية تشتق من فكرة العدالة بين الإنسان وأخيه وهي الفكرة التي تعتبر حجر الزاوية في نظرة الإسلام للحياة الاجتماعية، فلا ريب أن عدم التيقن حاصل في أي مشروع استثماري كما أنه لا يمكن تحديد الربح أو الخسارة مسبقًا وعلى ذلك يكون مجافيًا للعدالة إلى حد بعيد أن يتوفر للطرف الذي يقدم رأس مال نقديًا ضمان الحصول على عائد ثابت ومحدد سلفًا في حين أن الطرف الذي يقدم عنصر التنظيم في المشروع يلقى على عاتقه وحده عبء عدم التيقن من مصير نشاطه في هذا المشروع. ومن جهة أخرى فإن تحديد سعر ثابت للفائدة يمكن أن لا يكون عادلًا أيضًا حتى في حق صاحب المال إذا ما تحصل المقترض على الربح يفوق بكثير حدود ما يدفعه إلى المقرض عن طريق الفائدة [4] .

وفي الحقيقة يمكن القول أنه لا فرق بين الربا في القرآن الكريم وبين الفائدة في النظرية الاقتصادية التقليدية فهو فرق في الدرجة وليس في النوع؛ لأن الربا والفائدة يمثلان الزيادة في رأس المال المقترض ولا يترتب على تسمية الربا بالفائدة تغيير في خصائص كل منهما ثم إن الضرر لا

(1) انظر: أبو سريع محمد عبد الهادي، الربا والقرض في الفقه الإسلامي ص153 - 154، أما نص الدواليبي فهو قد نقله عن أبحاث مؤتمر القانون الإسلامي المنعقد في باريس يوليه سنة 1951م.

(2) د. عمر بن سليمان الأشقر، الربا وأثره على المجتمع الإنساني ص72 - 75.

(3) محمد منان، الاقتصاد الإسلامي، من النظرية والتطبيق ترجمة د. منصور التركي ص136.

(4) تقرير مجلس الفكر الإسلامي في الباكستان: إلغاء الفائدة من الاقتصاد ص24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت