الصفحة 26 من 93

إن هذا المجتمع الصغير الذي يحيط بالمسلم يضعفه، وقد لا يستطيع المقاومة، فيدب الفتور في أوصاله، ويسري التراخي إلى عبادته وأعماله، وقد يصل إلى ما وصلوا إليه، وكما أُمر المسلم بالهجرة من بلاد الكفار صيانة لدينه وبعدا عن الفتنة، فإن المؤمن مطالب بالتحول عن جلساء السوء ورفقاء الفساد، حفاظا على صلاحه وتقواه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - - إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة - (1) .

6-صحبة ذوي الإرادات الضعيفة والهمم الذاتية

هذا السبب من أكثر الأسباب تأثيرا، وهو يختلف عن السبب السابق، وذلك أن هؤلاء قد يكونون من أهل الخير والصلاح، ولكن هممهم ضعيفة وعزائمهم واهنة، وأهدافهم شخصية، فلا يحس المرء بأثرهم عليه، ويضعف شيئا فشيئا، حتى يتلاشى نشاطه أو يكاد، وتفتر همته، وتخور عزيمته، ولذلك قال الشاعر:

كم صالح بفساد آخر يفسد

كالجمر يوضع في الرماد فيخمد

لا تصحب الكسلان في حالاته

عدوى البليد إلى الجليد سريعة

والإنسان سريع التأثر بمن حوله، وبخاصة إذا كان هو فردا وهم عددا، أو كان ينظر إليهم نظرة إعجاب واحترام، ولذلك لا بد من حسن اختيار الصاحب والجليس، فإنه يؤثر على مر الزمن، كما يؤثر الحبل في الحجر، على ضعف الحبل وقوة الحجر، ولكن مرور الزمن كفيل بذلك، وبخاصة أن الحبل متحرك والحجر جامد، والمتحرك أقوى تأثيرا من الساكن والراكد.

ومن هنا وجهنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الأمر فقال:

(1) - أخرجه البخاري (3/16) كتاب البيوع، باب [38] ومسلم (4/2026) كتاب البر والصلة رقم (2628) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت