الصفحة 34 من 93

ويستمر العمل وتبذل الجهود - دون اكتشاف للخطأ - وتمر الأيام والسنون دون تحقيق شيء ذي بال من هذه الأهداف، فيدب السأم والملل، وتتبخر الأحلام، ويصدّق الواقع مثالية هذه الأهداف، فيبدأ الأفراد يتساقطون واحدا تلو الآخر، ومعلّموهم لا يملكون الجرأة في استدراك ما يمكن استدراكه، والمحافظة على البقية الباقية من الجهد والزمن والأفراد، بل قد يكون أولئك من زمرة القاعدين بل الهاربين.

د- ومن الصور التي تخالف الواقعية أن يتحمس الشاب لطلب العلم، وينظر فإذا هو قد فاته الشيء الكثير، فيبدأ في طلب العلم جادا نشيطا، ولكنه بدل أن يبدأ الطريق من أوله، ويعلو السلم من أسفله، إذا هو يبدأ بالأمهات، ويقرأ المطولات، دون أن يكون ملما بالأصول والقواعد والمختصرات، بل قد لا يعرف بعض الأبجديات والبدهيات، وتمضي الأيام فإذا هو قد بنى على غير أساس، وشيد بلا قواعد، فيدرك الخطأ بعد حين، ويرى أن ما بناه كان على شفا جرف هار، فيتأثر ويتحسر، وقد مضى من العمر ما مضى، فيدركه الضجر، ومن ثم الانقطاع ثم يندثر.

وقد فسر العلماء"الربانيون"في قوله تعالى: (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ) (1) [سورة المائدة، الآية: 44] بأنهم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره.

هـ- ومن صور عدم الواقعية التي تؤدي إلى الفتور كثيرا: عدم العناية بمتطلبات الجسد من الأكل والشرب والنوم، وكذلك تعاهد الجسد من الناحية الصحية، والناس في هذا بين إفراط وتفريط، وكلاهما يؤديان إلى الفتور والضعف. إن العناية بمأكل الإنسان ومشربه وصحته ونومه وما يتعلق بحق بدنه مما أوصى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث سلمان: - ولبدنك عليك حقا - (2) . وإهمال ذلك أو المبالغة فيه يؤدي إلى نتائج سلبية عاجلا أو آجلا.

(1) - سورة المائدة آية: 44.

(2) - أخرجه البخاري (2/243) كتاب الصوم باب [51] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت