الصفحة 59 من 93

إن عدم إدراك فقه الأولويات يجعل طالب العلم والداعية في حيرة من أمره، فتتزاحم أمامه مجموعة من المصالح والأهداف، حتى تبدو متعارضة يصعب القيام بها جميعا (1) فيقدم هذه ويؤخر تلك دون ضابط أو قيد، ومن ثم تنشأ عن هذه مجموعة من المشكلات ينوء بحملها، سببها تقديم المهم على الأهم، والتكميلي على الضروري، والمندوب على الواجب. والإنسان له طاقة، ولقدراته حدود، فيصاب بالتعب والإرهاق والملل، وقد يستوحش ثم ينقطع.

س- أحاديث النفس ووساوس الشيطان:

من الأسباب الخفية أن يعمل الإنسان فترة طويلة، فيأتيه الشيطان ويقول له: إنك قد قمت بما يجب عليك، وقدمت الكثير، وغيرك لم يقدم نصف ما قدمت، فلو تفرغت لنفسك ولأهلك، وأنت أفضل من غيرك، فيحدث نفسه في هذا الأمر كثيرا.

فتعمل فيه هذه الوساوس، ويفتر شيئا فشيئا، ثم ينصرف عن العلم والدعوة، وهذا يُخشى عليه من حبوط العمل؛ لأن مبعث هذا الأمر قد يكون إعجابا بما قدم، أو منّة على الله بما عمل (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (2) [سورة الحجرات، الآية: 17] . وقل مثل ذلك في كثير من أحاديث النفس ووسائس الشيطان، وخطورتها عندما يتكلم أو يعمل.

ع- الفتور في علاج الفتور، وذلك أن الفتور مرض من الأمراض تكون بداياته -غالبا- يسيرة، فإذا تساهل فيه المسلم، ولم يبادر إلى علاجه، والبحث عن أسبابه، سرعان ما يزداد ويتأصل، وهنا يصبح علاجه أشد وأقسى، ويحتاج إلى جهد مضاعف ووقت أطول.

وقل أن يسلم أحد من فتور عارض، ولكن يختلف الناس في مواجهة هذا الفتور، فمنهم الحازم اليقظ، الذي يبادر إلى تلافي هذا المرض واستدراكه، وآخرون يماطلون ويسوفون حتى يقع ما كنا منه نحاذر.

(1) - من أدلة ذلك كثرة الأسئلة عن التوفيق بين العلم والدعوة، مع أنه لا تعارض بينهما، بل هما متلازمان.

(2) - سورة الحجرات آية: 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت