فهرس الكتاب
من هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا (57) ، وَالْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَالْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا (58) ، فإنكم إن فعلتم ذلك قطَّعتُم أرحامَكم" (59) فذكر لهم الحُكم، ونبههم على حِكمة التحريم، وهو ما يترتب عليه من قطع ما أمر الله به أن يوصل نتيجة الاحتكاك الضروري بين الضرائر.
الثاني: أن الشاكين والمشككين في هذا الزمان كثيرون، ولم يعد أغلب الناس يقبلون الحكم دون أن يعرفوا مأخذه ومغزاه، ويعوا حكمته وهدفه، وخاصة فيما لم يكن من التعبديات المحضة.
رابعًا: الإعراض عما لا ينفع الناس:
ومن القواعد التي ينبغي للمفتي المعاصر التزامها: ألا يشغل نفسه ولا الناس من حوله إلا بما ينفعهم، ويحتاجون إليه في واقع حياتهم.
أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدل، أو التعالم والتفاصح، أو امتحان المفتي وتعجيزه، أو الخوض فيما لا يحسنونه، أو إثارة الأحقاد والفتن بين الناس، أو نحو ذلك، فينبغي أن نضرب عنها صفحًا، ولا نلقى لها بالًا، لأنها تضر ولا تنفع، وتهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع.
ومما قاله في ذلك الإمام شهاب الدين القرافي:
"ينبغي للمفتي إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو فيما يتعلق بالربوبية، يسأل فيها عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجلف، أو يسأل عن المعضلات، ودقائق الديانات، ومتشابه الآيات والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء، ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما لا يصلح له، فلا يجيبه أصلًا، ويظهر له الإنكار على مثل هذا، ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك، ولا تخض فيما عساه يهلكك، لعدم استعدادك له."