فهرس الكتاب
ولما استكمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدى عمره بعد أن أقام لله بأمره، بإظهار الدين ونشره، والاشتمال على طاعة الله وبره، وهو مؤيد بالفتح المبين، والنصر والتمكين، قد شرع لأمته ونصحها، وأظهر مناهج الحق وأوضحها وعفى معالم الشرك وطمسها، ونسخ أحكامها ودرسها، وخفض أعلامها ونكسها، وأبان الحلال والحرام، وأقام المعالم والأحكام،وبلَّغ ما حُمِّل وأدَّاه، ونقل ما استحفظ ووفَّاه، وأعزَّ الله به الحقَّ وأعلاه، كما أدحض به الباطل وأخزاه، نقله إلى دار كرامته وقدس رحمته ومحلِّ رضوانه وأدناه، سعيدًا شهيدًا، مباركًا حميدًا، بعد أن أعلمه فيما أنزل عليه أنه قادم عليه، وسائرٌ إليه، فعهد إلى الناس وودَّعهم، وحذَّرهم، وبشّرهم، ونصحهم، وعلّمهم، ووصَّاهم، وردعهم، وأنذرهم.
قال الحافظ ابن عبد البر رضي الله عنه: ثم بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه، يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، سنة إحدى عشر في بيت ميمونة، ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى بيت عائشة رضي الله عنها.
وقال غيره: ابتدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم صداع في بيت عائشة، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بدأ فيه؛ فقلت: وارأساه، فقال: بل أنا وارأساه، ثم اشتد أمره في بيت ميمونة؛ فاستأذن نساءه أن يمرَّض في بيت عائشة رضي الله عنها وعنهن، فأذنَّ له، وكانت مدة مرضه اثني عشر يومًا. وقيل: أربعة عشر يومًا، خرج ويده على الفضل بن العباس، ويده الأخرى على عليّ عليهم السلام أجمعين.
ولما اشتد وجعه قال: صُبُّوا عليّ من سبع قرب لم تحل أوكيتهن، لَعَلِّي أستريح، وأعهد إلى الناس.
قالت عائشة: فأجلسناه في مخضب لحفصة من نحاسوسكبنا عليه الماء حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن. ثم خرج فقام يومئذ خطيبًا؛ فحمد الله، وأثنى عليه، واستغفر للشهداء الذين قتلوا يوم أحد، ثم قال:إنكم يا معشر المهاجرين تريدون، وأن الأنصار لا يريدون، وإن الأنصار عيني التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم.
ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل يلقي بخميصة له على وجهه؛ فإذا اغتم كشفها عن وجهه، وهو يقول: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر مثل الذي فعلوا.
ثم قال في مرضه: إن عبدًا خُيِّرَ بين الدنيا والآخرة، فاختار ما عند ربه.