الصفحة 106 من 116

وتصايح نساؤهم لاجتماع رجالهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسار النبي صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عليَ والفضل، والعباس أمامهم، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوب الرأس يخط برجليه، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، وثاب الناس إليه؛ فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون عليَّ الموت، كأنه استنكار منكم للموت، وما تنكرون من موت نبيكم،ألم أُنْعَ إليكم، وتُنْعَ لكم أنفسكم؟ هل خلِّد نبي قبلي فيمن بعث إليه؟؛ فأخلد فيكم؟، ألا إني لاحقٌ بربي، وإنكم لاحقون به، وإني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرًا (وأوصي المهاجرين) فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} ، وإن الأمور تجري بأمر الله، فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله عز وجل لا يعجل لعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه، {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} .

أوصيكم بالأنصار خيرًا، فإنهم الذين تبوَّؤا الدار والإيمان من قبلهم، أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟، ألا فمن وُلِّي أن يحكم بين رجلين؛ فليقبل من محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط لكم، وأنتم لاحقون بي، ألا وإن موعدكم الحوض، حوضٌ أعرض مما بين بصرى الشام وصنعاء اليمن، يَصُبُّ فيه ميزاب الكعبة ماءً أشدَّ بياضًا من اللبن، وألين من الزبد وأحلى من الشهد، من شرب منه لم يظمأ أبدًا، حصباؤه اللؤلؤ، وبطحاؤه في مسك، من حرمه في الموقف حرم الخير كله، ألا فمن أحب أن يرده علي غدًا فليكفف (يده ولسانه) إلا فيما ينبغي.

قال العباس: يا رسول الله أوص بقريش.

قال: إني إنما أوصي بهذا الأمرِ قريشًا، الناس تبع لقريش، بَرُّهم لِبَرِّهم، وفاجرهم لفاجرهم، فاستوصوا آل قريش بالناس خيرًا.

يا أيها الناس إن الذنوب تغير النعم، وتبدل القِسَم، فإذا بَرَّ الناسُ برَّهم أئمتهم، وإذا فجر الناس عقّوهم. وقال الله عز وجل: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون} .

ذكر هذا سيف بن عمر في كتاب الفتوح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت