قلت: يؤخذ من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي على الدوام، وذلك أنه محال أن يخلو الوجود كله من واحد يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في ليل أو نهار.
فإن قلت: فقوله عليه الصلاة والسلام (إلا رد الله علي روحي) لا يلتئم مع كونه عليه الصلاة والسلام حيًا على الدوام، بل يلزم منه أن تتعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة، إذ الوجود لا يخلو من مسلم يسلم عليه كما تقدم، بل يتعدد الكلام في الساعة الواحدة كثيرًا ؟.
فالجواب: والله أعلم أن نقول: المراد بالروح هنا: النطق مجازًا، فكأنه قال عليه الصلاة والسلام: إلا رد الله إلي نطقي وهو حي على الدوام كما تقدم، لكن لا يلزم من حياته نطقه، فالله سبحانه وتعالى يرد عليه النطق عند سلام كل مسلم.
وعلاقة المجاز أن النطق من لازمه وجود الروح، كما أن الروح من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة، فعبر عليه الصلاة والسلام بأحد المتلازمين عن الآخر. ومما يحقق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين، عملًا بقوله تعالى: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} .
فائدة 0000
اختلف في معنى هذه الآية ؛ فقيل: الموتة الأولى كونهم نطفة في أصلاب آبائهم، لأن النطفة ميتة، والحياة الأولى في الأصل، والحياة الثانية إحياء الله تعالى إياهم للبعث، فهاتان موتتان، وحياتان.
ويقال: الموتة الأولى: التي تقع بهم في الدنيا بعد الحياة.
والحياة الأولى: إحياء الله تعالى إياهم في القبر لمساءلة منكر ونكير.
والموتة الثانية: إماتة الله تعالى إياهم بعد المساءلة.
والحياة الثانية: إحياء الله تعالى إياهم للبعث.
وقيل: الموتة الأولى هي التي كانت بعد إحياء الله تعالى إياهم في الذر، إذ سألهم: {ألست بربكم قالوا بلى} ، ثم أماتهم بعد ذلك، فهذه هي الموتة الأولى، ثم أحياهم بعد إخراجهم إلى الدنيا، ثم أماتهم ثانية، ثم بعثهم إذ شاء، فهاتان موتتان وحياتان، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وروينا عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد يصلي علي صلاة تعظيمًا لحقي، إلا خلق الله من ذلك القول ملكًا له جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، ويقول الله له صل على عبدي كما صلى على نبيي، فهو يصلي عليه إلى يوم القيامة) .