الصفحة 5 من 116

وقالت فرقة: بل جمع الله الملائكة مع نفسه في ضمير واحد، وذلك جائز للبشر إن فعله ولم يقل صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب لهذا المعنى، وإنما قال لأن الخطيب وقف على: ومن يعصهما وسكت سكتة.

ومما يؤيد هذا أن في كلام النبي صلى الله عليه وسلم في مصنف أبي داود:ومن يعصهما فجمع ذكر الله تعالى وذكر رسوله في ضمير.

ومما يؤيد الأول: أن في كتاب مسلم: بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله.

قال ابن عطية: وهذا يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه وقال:بئس الخطيب أنت أصلح بعد ذلك كلامه، لأن فصل ضمير الله تعالى من ضمير اسمه أولى لا محالة، فقال له: بئس الخطيب لموضع خطئه في الوقف، وحملة على الأولى في فصل الضمير وإن كان جمعها جائز.

وأورد بعض المعاصرين السؤال معتمدًا على أن خطأ الخطيب إنما هو جمع الضميرين، لا لأجل الوقف المذكور، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) ؛ فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب، فما الفرق بينهما، وما الجواب؟.

والجواب من وجهين:

أحدهما: ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه، فقال: إن منصب الخطيب حقير قابل للتذلل، فإذا نطق بهذه العبارة فقد يتوهم فيه لنقصه أنه إنما جمع بينهما في الضمير لأنه أهمل الفصل بينهما والفرق، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية. ومنصب النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الجلالة والبعد عن الوهم، فلا يقع بسبب جمعه عليه الصلاة والسلام إيهام التسوية.

وثانيها: ذكره بعض الفضلاء فقال: كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة واحدة، وتقدم الظاهر في الجملة الواحدة يبعد استعمال الظاهر مع موضع المضمر، بل المضمر هو الحسن، وكلام الخطيب جملتان؛ أحدهما مدح، والآخر ذم، فلذلك حسن استعمال الظاهر موضع المضمر.

قلت: وهذا الجواب الثاني أمس بالقواعد العربية من حيث اللفظ، والأول لا بأس به من جهة المعنى.

وجاء يصلون بصيغة المضارعة الدالة على الدوام والاستمرار، ولم يأت بصيغة الماضي التي يصدق بالمرة الواحدة.

قالوا: فهذا يعطي أنه سبحانه وتعالى وجميع ملائكته يصلون على النبي دائمًا أبدًا، وغاية مطلوب الأولين والآخرين صلاة واحدة من الله تعالى، وأنى لهم بذلك؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت