فهرس الكتاب
الوجه الثاني: أن الكتابة علاج ضروري لأجل قصور الأذهان عن استيعاب حفظ ما يتعين حفظه، والكتابة تنفع في حصول هذا الغرض، فإذا أعطى الله نبيه من الحفظ والذكاء ما يستغني به عن الواسطة كان ذلك أشرف في حقه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليمات، وأرفع لقدره، قال الله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه} ، وقال تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} ، فكان الضمان لحفظ القرآن، والعصمة من النسيان، والوعد بالقدرة على البيان أجل من التسبب في ذلك بكتابة يغسلها الماء، وتأكلها الأرضة، وهي هدف لأسباب كثيرة، وعريضة.
الوجه الثالث:أن الكتابة تصوير وتشكيل وتخطيط، ومقامه صلى الله عليه وآله وسلم أعلى من أن يتعاطى بنفسه ما ينطلق عليه اسم التصوير،وقد نهى عليه الصلاة والسلام على التصوير، وشدد في النهي، وإن كانت فضيلة، فإنما كانت فضيلة لحاجة من اتصف بها إليها، فهي فضيلة تستلزم نقيصة، وغضًا منه، ثم يكون الأفضل لمن رفع الله قدره عن هذه الطبقة عدم تلك الفضيلة بغضاضة الحاجة حتى تكون فضائله متمحضة متخلصة.
وأيضًا: فإن الكتابة صناعة، وليست بعلم، وقد نزَّه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عنها فقال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون} .
فإن قلت: فقد أطلق الله تعالى على الكتابة علمًا، فقال: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علَّمه الله فليكتب} . فجعل الكتابة علمًا، وأضاف تعليمه إليه؟.
قلت: المراد هنا أحكام العقود المكتوبة، والعلم بشروط الوثائق المحررة، لا رسم نفس الخط.
فإن قلت: قوله تعالى: {علَّم بالقلم علَّم الإنسان ما لم يعلم} ، ما هو؟.
قلت: المراد علمه المعلومات المكتوبة بالقلم، لا نفس الكتابة، هذا معنى كلام ابن المنير رحمه الله تعالى، وأكثر لفظه.
(بيان جملة أخرى من آدابه وأخلاقه صلى الله عليه وسلم)
وما شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا من المؤمنين إلا قال: اللهم اجعل ذلك كفارة ورحمة. وما لعن امرأة قط ولا خادمًا بلعنة. وقيل له (وهو) في القتال: لو لعنتهم يا رسول الله؟، فقال: إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعّانًا. وكان إذا سئل الدعاء على أحد مسلم أو كافر أو عام أو خاص عدل من الدعاء عليه ودعا له.وما ضرب صلى الله عليه وسلم بيده أحدًا قط إلا أن يضرب بها في سبيل الله، وما انتقم من شيء صنع له قط إلا أن تنتهك حرمة الله.