فهرس الكتاب
وقد اختلف المتكلمون في حد المعجزة؛ فقال الإمام في الإرشاد: لفظة تطلق على الآية الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم. واعترض على الحد بما لا نطول بذكره، وأولى عبارة حررت في حدها أن يقال: المعجزة معلوم خارق للعادة، ظاهر على حسب سؤال مدعي النبوة، غير مكذب ممتنع وقوعه عقلًا من غير النبي إذا كان ينبغي معارضة يعقبه وقوع العلم بالتصديق ضرورة للحاضرين بشرط تقدم علمهم بما يتوقف عليه تلك الضرورة.
فقولنا: معلوم احتراز من الإعدام.
وقولنا: خارق احتراز من العادي.
وقولنا:ظاهر على حسب سؤال المدعي احتراز من وقوعها على عكس سؤاله. وقولنا: غير مكذب احتراز من تكذيب المعجز له.
وقولنا: ممتنع وقوعه من غيره إذا كان ينبغي معارضةاحتراز من وقوعها من نبي آخر مصدق له أو ولي. وقولنا:يعقبها علم ضروري بالتصديق احتراز من عدم ذلك؛ فلا يكون ذلك حجة.
وقولنا:بشرط تقدم علم الحاضرين بما يتوقف عليه صحة هذه الضرورة لأن من يعلم ذلك لا يحصل له العلم، ولا يعلم وجه دلالة المعجزة.
قال صاحب لباب النقول:وتتساوى المعجزات والكرامات في كونها ناقضة للعادات، والفرق بينهما بالتسمية، لأن صاحب المعجزة يتحدى بها خصومه مبالغة في الإظهار، وصاحب الكرامة لا يتحدى ولا يدعي، بل يجتهد في الكتمان، والإسرار، وصاحب المعجزة بعد ظهورها عليه مأمون عليه، معصوم من الكفر والمعاصي، بخلاف صاحب الكرامة، وذكر عن بعض العلماء ما يشعر بجواز تحدي الولي بالكرامة كما يتحدى النبي بالمعجزة. واستيعاب ذلك في فين الكلام.
فمن أفضل معجزاته صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، الذي أعجز الفصحاء، وأخرس البلغاء لانطوائه على وجوه من الإعجاز كثيرة، ونحصيها ونلخصها من جهة ضبط أنواعها دون مفرداتها في أربعة أوجه؛
الوجه الأول: حسن تأليفه والتئام كلمه، وفصاحته ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب الفصحاء البلغاء.
الوجه الثاني: صورة نظمه العجيب وأسلوبه الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، (ووقفت) مقاطع آيه، وانتهت فواصل كلمه إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه؛ بل حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم؛ من نظم أو نثر، أو سجع أو رجز، أو شعر.