الصفحة 64 من 116

وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألونه صلى الله عليه وسلم عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرًا؛ كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، (ولقمان وابنه، وأشباه ذلك من الأنبياء والقصص، وبدء الخلق، وما في التوراة، والإنجيل، والزبور) ، وصحف ابراهيم وموسى، مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها؛ بل أذعنوا لذلك غاية الإذعان، ولا يحتاج النهار إلى بيان. هذا معنى كلام القاضي أبي الفضل رحمه الله تعالى وأكثر لفظه. قال: وقد جاءت آي بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا على ذلك؛ كقوله لليهود: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم} .

قال أبو إسحاق الزجاج:في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة لأنه قال: {فتمنوا الموت} ؛ وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدًا، فلم يتمنه واحدٌ منهم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه يعني يموت مكانه .

فصرفهم الله تعالى عن تمنيه وجزَّعهم ليظهر صدق رسوله صلى الله عليه وسلم، وصحة ما أوحي إليه، إذ لم يتمنه أحد منهم؛ وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا؛ ولكن الله يفعل ما يريد؛ فظهرت بذلك معجزته، وبانت حجته.

قال أبو محمد الأصيلي: من أعجب أمرهم أنه لا يوجد منهم جماعة، ولا واحد، من يوم أمر الله بذلك نبيه يُقدم عليه، ولا يجيب له.

وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم.

وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى، حيث وفد عليه صلى الله عليه وسلم أساقفة نجران، وأبَوا الإسلام؛ فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} .

فامتنعوا منها، ورضوا بأداء الجزية؛ وذلك أن العاقب عظيمَهم قال لهم: قد علمتم أنه نبي، وأنه ما لاعن قومًا نبيٌ قط فبقي كبيرهم ولا صغيرهم.

ومثله قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} الآية.

فأخبرهم أنهم لا يفعلون؛ كما كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت