الثالث: أن السلام بمعنى المسالمة والانقياد، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما} ، انتهى.
وإذا ثبت هذا؛ فالظاهر من الآية تساوي حكم الصلاة والسلام في الوجوب، وأن الواجب من ذلك المرة الواحدة في العمر على المختار الذي عليه الجمهور كما تقرر.
فإن قلت: لم أكد السلام بالمصدر دون الصلاة، وما الحكمة في ذلك ؟.
قلت: الذي يظهر في ذلك والله أعلم أنه سبحانه لما علم بدوام صلاته عليه، وملائكته كذلك، ثم أمرنا بعد بالصلاة عليه، والمعنى: صلوا عليه كما صلى الله تعالى وملائكته عليه، كان ذلك أبلغ من التأكيد اللفظي، ولما لم يعلمنا بالتسليم عليه كما أعلمنا بالصلاة عليه حسن التأكيد، إذ ليس ثم ما يقوم مقامه، والله أعلم.
تنبيه 0000
اعلم أن الفخامة في هذه الآية الكريمة من سبعة أوجه:
الأول: تصديرها بحرف التأكيد.
الثاني: إيلاؤه اسم الذات وهو أعظم أسمائه تعالى وأهمها، وأهيبها.
الثالث: عطف جميع الملائكة عليه بصيغة الإضافة الدالة على العموم، وعدد الملائكة لا يحصيه إلا الله تبارك وتعالى، فإن الملك كله ظاهرًا وباطنًا أقطار للعالم كله؛
فمنهم: ملائكة موكلون بالأرض لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تستدبر القبلة ببول أو غائط إكرامًا للمصلين.
ومنهم: ملائكة موكلون بالبحر.
ومنهم: ملائكة موكلون بالهواء فيما بين السماء والأرض.
ومنهم: السياحون الذين يتتبعون مجالس الذكر، كما هو في الصحيح، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر، قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وما بين السماء والأرض.
ومنهم: الذين ينقلون الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إليه ممن يصلي عليه صلى الله عليه دائمًا أبدًا.
ومنهم: ساكن في السماوات السبع، وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء.
ومنهم: خزنة الجنة.
ومنهم: خزنة النار.
ومنهم: حملة العرش.
ومنهم: موكلون بالحجب.
ومنهم: موكلون بالمطر، حتى أنه ورد أنه لا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك.
ومنهم: موكلون بالأرحام وخلق النطف.
وموكلون بنفخ الأرواح في الأجساد.
وموكلون بخلق النبات.
وبخلق تصريف الرياح.
وجري الأفلاك والنجوم.
ومنهم: حفظة على أعمال العباد.
ومنهم: موكلون بحفظ بني آدم، يحفظونه من أمر الله تعالى.