فهرس الكتاب
وبالجملة فمعجزاته صلى الله عليه وسلم لا تحصى، ولا يحاط بها ولا تستقصى، وقد قال القاضي: وبحسب هذا الفصل أن يكون ديوانًا مفردًا يشتمل على أجزاء وحده. وصدق رحمه الله تعالى، ومن ذا يحيط بالبحر الزخار، ولو أجهد نفسه آناء الليل وأطراف النهار. زاده الله شرفا، وغفر لنا ببركاته وعفا.
فصل
وها أنا أنبهك أيها المحب لهذا النبي صلى الله عليه وسلم شرح الله صدري وصدرك، وضاعف به حبي وحبك على نكتة بديعة، وروضة مريعة، تشفي الغليل، وتنقذ العليل؛ وهي: أنك ترى العالم الحاذق ذا العقل الفائق، والذهن الرائق، الذي أفنى عمره ليله ونهاره في درس العلوم وتفهمهاوأجهد نفسه في تعليمها وتعلمها لا يحصل من ذلك بعد التعب الجليل والفكر الطويل، إلا على النزر القليل، بل لو اعتكف على علم واحد من علوم الشريعة وغيرها، لا يبلغ منتهاه ولا يحيط بجمع معناه، وأنت ترى هذه الكتب المصنفات وسائر العلوم المؤلفات،والحكم المسموعات، إنما هي مستفادة من النبي صلى الله عليه وسلم، ومفرعة عما جاء به عن ربه عز وجل من الكتاب والسنة، ثم هو مع ذلك نبي أمي لا يقرأ كتابًا،ولا خط بقلم، {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون} ولا اشتغل بدراسة ولا مباحثة، ولا ارتحل عن بلده في طلب شيء من ذلك، فأي معجزة أعظم من هذه؟وأي برهان أعظم من هذا البرهان، وأي حجة أفلح من هذه الحجة، وأي محجة أهدى من هذه المحجة؟.
شعر:
علوم الورى في لفظه من كلامه
ولا بدع في أن يعدل الفرد بالجمع
{وما يذّكّر إلا أولو الألباب} ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وأنت ترى إذا نظرت في الكتاب العزيز أو في السنة، وكلاهما من عند الله؛ فإنه صلى الله عليه وسلم: {ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ،رأيت العجب العجاب، وما يذهل ذوي الألباب.
أما النظر في الكتاب العزيز، فقال بعض المتأخرين: إما أن يتعلق بألفاظه، أو بمعانيه، أو بهما:
أما الألفاظ: فإما في كيفية كتبها، أو في كيفية النطق بها.
أما كيفية كتبها: فيتفرع عنه علم الخط جملة، وعلم خط المصحف.