فهرس الكتاب
فإذا عرفت هذه الجملة صار عندك كونه صلى الله عليه وسلم، أوتي جوامع الكلم أوضح من الشمس؛ فسبحان من خصه بهذا الشرف الذي لا تدرك غايته، والعلم الذي لا يبلغ رايته، والفضل الذي لا يعلم كنهه، ولا نهايته، سيدنا ومولانا وشفيعنا، ونبينا، وحبيبنا، محمد صلى الله عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، صلاة لا يفنى عددها، ولا ينقضي أمدها.
ومما ينبغي أن ينبه عليه، ويعتمد في إعجاز القرآن العظيم عليه،وإن كان لا يخطر في الغالب بالبال، وهو باد في تأمل أحسن من سمط اللآل، وذاك أن الحروف المقطعة في أول سور القرآن الدالة على صدق من جاء به، فأفرغ الحق في غالبه، فإن أمرها غريب وسرها عجيب، إذا أعطيت من التأمل حقها.
قال ابن خطيب زملكافي برهانه:وسأوضِّح لك ذلك بشيء من دقيق المسالك يشير إلى إعجاز القرآن منه فواتح السور التي هي حروف هجاء،وإذا نظرتها ببادي الرأي وجدتها مما يكاد يمجه السمع، ويقل به النفع، مع أنها من الحسن ترفل في أثواب الحبر، ويقصر عنها دقيق النظر، وذلك من وجوه:
الأول: أنها كالمهيجة لمن سمعها من الفصحاء،والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل والأخذ في التفاضل.ألا تراها بمنزلة زمجرة الراعد قبل الماطر في الإعلام لتعي الأرض فضل الغمام،وتحفظ ما أفيض عليها من الإنعام، وتخاف مواقع الانتقام بما فيه العجمة (التي لا تؤلف في الكلام. وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه، والوقوف) على معانيه بعد حفظ مغانيه، بل حكم الدواعي الجبلية أن تبعث على ذلك اضطرارًا لا اختيارًا، لاسيما وهي صادرة عن رجل عليه مهابة وجلالة، قد قام مقام أولي الرسالة، وكشف ما هم عليه من الجهالة والضلالة، وتواعدهم بأن الهلكات نازلة بهم لا محالة.
الثاني: التنبيه على أن تعداد هذه الحروف ممن لم يمارس الخط، ولم يعانِ النظر فيه، على ما قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} متنزل منزلة الأقاصيص عن الأمم السالفة ممن (ليس) له اطلاع على ذلك.
الثالث: انحصارها في نصف (أسماء) حروف المعجم؛ لأنها أربعة عشر حرفًا، وهي:الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون.
قلت: يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.
قال: وهذا واضح على من عدَّ حروف المعجم ثمانية وعشرين حرفًا. وقال: لا مركَّبة من اللام والألف، وإن كان بعيدًا من الصواب، مع أنه المشهور في التهجي.