الصفحة 93 من 116

وكان بعض المتصدرين في القراءات في الجامع العتيق بمصر قد حلف بالطلاق والثلاث، أنه لا يجيز أحدًا يقرأ عليه القرآن مستحقًا للإجارة إلا بعشرة دنانير، فاتفق أن قرأ عليه رجل فقير، فلما أكمل سأله الإجازة، فأخبره بيمينه، فتألم خاطره، فاجتمع بأصحابه، فجمعوا له خمسة دنانير، فأتى بها إليه، فلم يأخذها، فخرج من عنده فرأى المحمل يدار به، فقال: والله لا أنفقت هذه إلا في الحج، فاشترى ما يحتاجه، وسار حتى وصل إلى مكة، فلما قضى أربه منها رحل عنها إلى المدينة، فلما وصل إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم،قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قرأ عشرًا جمع فيه الأئمة السبعة، وقال:هذه قراءتي على فلان بن فلان، عنك، عن جبريل عليكما السلام،عن الله عز وجل، وقد سألت شيخي الإجازة فأبي، وقد استغثت بك يا رسول الله في تخليصها، ثم نام، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: سلِّم على شيخك، وقل له: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لك:أجزني بلا شيء، فإن لم يصدِّقْك، فقل له: بأمارة (زمرًا زمرًا) ، فلما وصل الفقير إلى مصر اجتمع بشيخه، وبلَّغه الرسالة عريَّة عن الأمارة، فلم يصدِّقه، فقال: بأمارة: زمرًا زمرا، فصاح الشيخ وخرَّ مغشيًا عليه،فلما أفاق قال أصحابه:يا سيدنا ما الخبر، قال: كنت كثيرًا ما تتلو القرآن فمررت يومًا على قوله: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} ، فحلفت أن لا أقرأ القرآن إلا متدبرا، فأقمت لا أتجاوز من القرآن إلا اليسير مدة طويلة حتى نسيته، فكفَّرت عن يميني، وشرعت في حفظه، فحفظته، فبينما أنا أتلو ذات يوم إذ مررت على قوله عز وجل: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} ، الآية. فقلت: ليت شعري من أي الأقسام؟ ثم قلت: لست من الثاني، ولا من الثالث بيقين، فتعين أن أكون من القسم الأول، فنمت تلك الليلة فرأيت النبي صلى الله عليه

وسلم،فقال:بشِّر قراء القرآن أنهم يدخلون الجنة زمرًا زمرا، ثم أقبل على الفقير فقبَّل وجهه، ثم قال: أشهدكم أني قد أجزته ليقرأ ويقريء من شاء، أين شاء، وكل ذلك ببركة الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت